لسنا في حاجة إلى طول تحليل كي نبيّن أن من ما زال يتشبث بفصل الأدب عن الفلسفة صادر في موقفه عن تصور بعينه للكتابة الفلسفية، بل وعن مفهوم معين عن الأدب، هذا المفهوم الذي ربما يكون قد تُجووز. و لا يكفينا تدليلا على ذلك، أن نتذكر بعض الأسماء التي تشكل، في الفلسفة الغربية المعاصرة، قنطرة بين ما كان يعرف بالدراسات الأدبية، وما اصطلح عليه البحث الفلسفي، وإنما لا مفر من أن نحاول الوقوف عند التحول الذي عرفه هذا البحث وتلك الدراسات.
ومن غير أن نقف عند أصول هذا التحول، يكفي أن نتذكر أن الفلسفة لم تعد اليوم تنصب على موضوع بعينه، وأنها أصبحت إستراتيجية، وهي أساسا إستراتيجية لتقويض الأزواج الميتافيزيقية، والمهم هنا هو التحول الذي عرفه مفهوم الميتافيزيقا ذاته. فالميتافيزيقا لا تعني اليوم جهة من جهات الفكر، وفرعا من فروع الدراسات كما يقول هايدغر، وإنما هي حاضرة في مختلف الأشكال الثقافية التي عرفها ويعرفها الإنسان، وهي حاضرة في الأدب بل وفي اللغة. فإذا كان لابد أن نحتفظ لها بالتعريف التقليدي من حيث هي مبحث في الوجود، فينبغي أن نضيف إلى ذلك عبارة هايدغر من أن «اللغة هي مأوى حقيقة الوجود». وحينئذ تصبح إستراتيجية الفلسفة مراوغة للغة وتقويضا للميتافيزيقا، وتفكيكا لأزواجها، وتشريحا لنسيجها.
هذا التحول الذي عرفته الفلسفة يذكرنا بطبيعة الحال، بتحول مشابه عرفه الأدب نفسه الذي أصبح، هو أيضا إستراتيجية لمراوغة اللغة و“خيانة”ها.
نتبين، والحالة هذه، تعذر التأمين على الفصل التقليدي بين تلك الأنواع من الأبحاث، هذا التعذر الذي يجعلنا عاجزين، على سبيل المثال، عن تصنيف كاتب مثل رولان بارط ضمن خانة من الخانات التي تعارفنا عليها. لنتذكر ما يقوله في ال“درس”: «لست أعني بالأدب جملة أعمال ولا قطاعا من التبادل والتعليم. وإنما الخدش الذي تخلفه آثار ممارسة هي ممارسة الكتابة. وأقصد أساسا النص. وأعني نسيج الدلائل والعلامات التي تشكل العمل الأدبي. مادام النص هو ما تثمره اللغة، وما دامت اللغة ينبغي أن تحارب داخل اللغة: سيان عندي أن أقول أدبا أو كتابة أو نصا».
سيان أن نتحدث عن إستراتيجية الفلسفة إذن أو عن إستراتيجية الأدب ما داما معا كتابة تستهدف مراوغة اللغة وتقويض الميتافيزيقا وتفكيك أزواجها.