حركة التنويريين الاحرار لشمال افريقيا
زوارنا الكرام ..هرمنا ترحب بكم .. وتدعوكم لاستكمال الثورة الثقافية ..اضموا الينا ثورة وابداعا
حركة التنويريين الاحرار لشمال افريقيا
زوارنا الكرام ..هرمنا ترحب بكم .. وتدعوكم لاستكمال الثورة الثقافية ..اضموا الينا ثورة وابداعا
حركة التنويريين الاحرار لشمال افريقيا
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.



 
الرئيسيةالبوابةالأحداثالمنشوراتأحدث الصورالتسجيلدخول
عدد الزوار


 

 لتَّحليل النّفسي للفكر الأسطوري

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
هرمنا
Admin
Admin
هرمنا


الأهبة الثورية : مستعد فطريا
الجنس : ذكر
الابراج : الدلو
الأبراج الصينية : الفأر
عدد المساهمات : 368
معدل التفوق : 744
السٌّمعَة : 20
تاريخ الميلاد : 04/02/1960

تاريخ التسجيل : 11/12/2011
العمر : 64
الموقع : كل ساحة الحرية
العمل/الترفيه العمل/الترفيه : ثائر منذ فجر الاستبداد
المزاج : ثائر

تعاليق : نحن شعب قدره أن يواصل كفاحه على مر العصور .. لانعرف الراحة.. نحن قوم لانستسلم ابدا ، ننتصر أم نموت ..؟!

لتَّحليل النّفسي للفكر الأسطوري Empty
16032017
مُساهمةلتَّحليل النّفسي للفكر الأسطوري

لتَّحليل النّفسي للفكر الأسطوري Female-face-in-Huqoq-mosaic-photo-by-Jim-Haberman3-750x430إذا ما تساءلنا عن الشيء الذي يريده الإنسان ؟ إنه يطمح نحو السعادة . هذه السعادة هي ظاهرة عرضية مرتبطة بإشباع حاجات بلغت درجة كبيرة من التوتر ، أما التعاسة فهي تحيط بنا من كل صوب . إنها مأساة العيش في المجتمع في كل أعرافه و قيوده . و قد يصاب الإنسان بالعصاب ، لأنه لا يستطيع تحمل التخلي المفروض عليه من المجتمع باسم الثقافة ، فالإنسان يشعر دائماً بخيبة أمل في عالم متشابك معقد سيطرت عليه التقنية ، و القيود و التحريات الاجتماعية . و هو يعرف بوضوح يكثر أو يقل ، أنه لا يمكن العثور على الجنة المفقودة ، و أنه مُرغم على التعايش مع اللايقين و المخاطر ، و أنه يتوجب عليه الاعتماد على جهوده الخاصة ، و أن التطور الكامل لقدراته يمكن أن تمنحه شيئاً ما من القوة و الجرأة ، و هكذا هو ممزق بين ميلين منذ لحظة ولادته ، أحدهما هو الخروج للضوء ، و الآخر هو العودة للرحم ، أحدهما للمغامرة و الآخر لليقين ، أحدهما للمجازفة بالاستقلال و الأخر للحماية و التبعية [1].
و  تؤكد العادات و التقاليد الشعبية و اللاشعور الفردي و الجماعي ، جميعها أن الإنسان ابن طفولته ، و انه دائم الحنين لإحياء هذه الطفولة فيه ، و أن جذور الثقافة ينبغي البحث عنها في طفولة الإنسان ، و طفولة المجتمعات الإنسانية . و أن علاقة الطفل بأمه هي أقوى العلاقات ، و هي أساس كل اجتماع إنساني لاحق ، و أن هذه العلاقة تفرضها بيولوجيا الإنسان و تكوينه التشريحي . و تتطلب الحضارة الحد من الحرية و اكتساب النظام ، كما تتطلب الحضارة كبت النزوات الجنسية و نكرانها ، هذا النكران الثقافي يحرك ميدان العلاقات الاجتماعية ، و هو أيضاً السبب للنزعة العدوانية الدائمة  . .
إن البشرية لا تستطيع ، في عصور الضعف و الجهل التي اجتازتها ، تحقيق التخلي عن الغرائز ( هذا التخلي الضروري للحياة المشتركة بين الناس ) إلا بفضل قوى عاطفية خالصة ، و كثير من الناس ، لا يتبنى تقنية محددة و مطلوبة بحد ذاتها لحماية أنفسهم من الألم أو لنشدان السعادة ، يعيشون كما يستطيعون وفق مزاجهم الخاص ، و يصطدمون ، مثل كل منا بعقبات كثيرة تجعلهم يتألمون ، حينذاك ، يتجهون و بشكل طبيعي ، نحو نشاطات قادرة على أن تزودهم بمحول تعويضي ، أو بتعويض عن الآلام التي تنزلها بهم الحياة ، و التعويض يشمل كل الأنظمة الروحية و الفنية الفكرية ، التي تزودهم ببعض مكاسب المتعة غير الجسدية ، دون أن تبعد الفرد عن النشاطات الاجتماعية [2]. و من بين أفكار فرويد التي تبدو ذات أهمية خاصة في مجال العلوم الاجتماعية فكرة ( عودة المكبوت ) ، إذ نجد أن  المجتمع لا يستطيع أن يشتمل فقط على نظام من الضوابط و مجموعة من النواهي ، و كي يتمكن من القيام بمهامه ، يجب أن يسمح للفرد إيجاد أقنية تصريف لهذه النزوات[3].
لقد جاء فرويد بنظرة مزدوجة تجاه عصر العقل ، فهو و إن كان من أشد مؤيدي العقل في العصر الحديث ، عندما أكد أن العقل هو أثمن و أخص قوة تميز الإنسان . إلا أنه أكد من جهة أخرى ، على أن العقل عرضة لتأثير العواطف المشوهة له ، و فهم عواطف الإنسان هو الشيء الوحيد الذي يمكن أن يحرر عقله لأداء وظيفته على نحو سليم ، و بذلك يكون قد كشف عن قوة العقل الإنساني وضعفه على السواء ، و جعل من هذه الجملة القائلة بأن الحقيقة هي التي ستحررك ، المبدأ الهادي في فن جديد للعلاج النفسي ، حيث أن المرض العقلي أو النفسي لا يمكن أن يكشف بمنأى عن المشكلات الأخلاقية [4].  و من هنا يشدد فرويد على أهمية الحياة العاطفية للجماعة .
 و تتضمن نظريته افتراضاً مفاده أن كل الجماعات تتشابه في ديناميتها ، و الأفراد ينقلون اتجاهاتهم الناشئة في الحياة الأسرية إلى المواقف الجماعية ، و  هو لذلك يدخل القوى الليبيدية ، كقوى عاطفية جاذبة بين الأفراد ، كما يشدد على عملية التماهي ، و دور القائد ، و مثال الأنا ، و التجاذب العاطفي ، و مركب أوديب [5].
************
فالكبت و الإكراه ، أو التقييد و التعنيف و التجريح ، من أكبر العوامل التي تقلقل و تبعث التوتر ، هنا قد يظهر النكوص على شكل رجوع في الفكر و السلوك إلى مرحلة سابقة ، إلى التجربة الأولى ، إلى مراحل الطفولة في الأمة ، أو التاريخ الفردي للشخصية ، و من اليسير جداً ملاحظة النكوص في سلوكيات الأسلاف أو طرائقهم التي نجحت ، و أفكارهم التي وفرت لهم التكيف الناجح و المعافاة و الإسهام في صنع الحضارة البشرية [6].
و لا بد التمييز هنا بين الحرمان الذي يصيب الناس جميعاً ، و الحرمان الذي لا يصيب الناس جميعاً ، و إنما بعض الفئات أو الأفراد أو الطبقات فقط ، ضروب الحرمان بشكلها الأول هي الأقدم عهداً ، و بفعل أشكال الحظر التي تمخضت عن هذه الضروب من الحرمان منذ آلاف السنين ، شرعت الحضارة تنأى عن الحالة الحيوانية البدائية ، و لشد ما يدهشنا أن نعرف أن تلك الضروب من الحرمان لم تفقد شيئاً من قوتها ، و أنها لا تزال تشكل حتى الآن نواة العداء للثقافة . فالرغبات الغريزية تعاود الولادة مع كل طفل ، و ثمة طبقة بكاملها من البشر من المصابين بالأمراض العصبية ترد على تلك الضروب البدائية من الحرمان بالنفور من الحياة الاجتماعية ، هذه الرغبات الغريزية ، هي رغبات حب المحارم ، و أكل لحوم البشر ، و القتل [7]، رغبات عبرت عنها بشكلٍ واضح الأساطير البشرية ، التي تتكلم عن زواج الآلهة من المحارم ، و تعطشها الدائم للدماء و القتل و الانتقام ، و أكل التضحيات البشرية ثم الحيوانية . إن الشعور النرجسي بالارتياح و الرضا المتولد عن المثل الأعلى الثقافي ، ممثلاً بالأساطير الاجتماعية ، و ملاحم أبطاله ، هو بالأصل واحداً من القوى التي توازن و تعوض عن عداء الحضارة داخل الجماعة الثقافية بالذات . [8]
و نحن نجد أن الحيلة العقلية الأبرز هي تلك  التي تدفع إلى الانطواء على الذات الثقافية و أسطرتها ، بالعودة إليها للاحتماء و استنكاراً للواقع ، فكأن المثقف يقفل وحده حدوده الثقافية ، و يقبع داخلها ، مُسقطاً على ثقافته كل الحسنات ، و على الثقافة المهاجمة كل الشائبات ، فيقع في عبادة الثقافة الخاصة ، في النرجسية الثقافية ، في أسطورته ذاتية المركز ، و إذ يتمسك بما عنده من أنماط فكرية و سلوكية ، و يحتمي بماضيه و تجاربه فيذوب بجماعته ، فإنه يوجه بالتالي عدائيته على الآخرين [9].
************
و من خلال تحليلنا النفسي لنماذج الأساطير عند الشعوب في مختلف الحضارات ، نجد أنها تمثل ردّات فعل أو استجابات مؤسَسَة على النزعات الطفولية . إذ يؤكد فرويد أن المؤمن يحمي إلى أقصى درجة ، نفسه ضد خطر بعض الآلام العصابية ، إذ يخلصه العصاب الجماعي من حتمية تشكل عصابه الفردي . فالأسطورة لا تكون عند غالبية الشعوب شيئاً جامداً ، إنها واقع منفتح يتكيف مع التنوع المتقلب للأوضاع الاجتماعية ، و يحتفظ مع العالم الذي يماثله ، عالم الأحلام ، بمجموعة من المتغيرات ، في الاتجاهين ، من جهة ، يكمل الحلم الأسطورة الاتنية ، يتذكرها ، يجعل بعض أجزائها فردية ، و من جهة أخرى ، تضم الأسطورة أجزاءً من الحلم ، مروية ، و ذلك بشكل سهل لا سيما و أنها في مضمونها ، متجانسة ، لإغناء الأسطورة الجماعية ، و حتى أحياناً لتوجيهها نحو اتجاهات جديدة .و تنمو الأساطير بواسطة إضافات متتالية ، و تتحول فيها رموز الليبيدو إلى رموز اجتماعية ، و إذ يتم ذلك ، تميل إلى تبديل مهمتها ، مذ ذاك يصبح الكلام عن اللاوعي كلاماً عن اللحمة الجماعية . و مع عدم مقدرتها على إدراك ذاتها ، من جهة اتصالها مع جماعة تامة ، بالرجوع إلى ” هو ” فردي ، فلا يمكن فهمها إلا بالرجوع إلى القضية الاجتماعية ، لكن بالطبع ستحتفظ دائماً ، حتى في استعمالها الجديد ، بآثار واضحة نتيجة لانتزاعها مكان الليبيدو [10]
إن الأسطورة لا تروي لنا الأصل في نشأتها ، إذ هي متواجدة كنتاج للفكر الإنساني المتأصل في بعض أشكال العلاقات بين الناس و العالم ، حيث ترسي علاقاتها في مستويات محددة ، و حيث اضطراراً ، فإن أناساً و ليس آلهة ، اقتُرحوا كنماذج للعمل الوسائطي للأجيال القادمة ، فالأسطورة ضرورية للمجتمع ، كما الحلم ضروري للفرد . و قد اُعتبرت الأسطورة عادة ، بمثابة المطيّة للمقدس ، إذ الارتباط الوظيفي بين الأساطير و الطقوس ، التي هي وسيلة الإنسان للتواصل مع المقدس ، و الولوج باتجاه امتلاك قوته . و تنبع الأساطير من منظور بنيوي ، من ذلك النظام الرمزي الذي يعد أكثر عمقاً من الواقعي و الخيالي [11]. فالفكر الأسطوري يبني قصوراً أيديولوجية على أنقاض خطاب اجتماعي قديم ، إذ يستعمل مخلفات و حطام أحداث ، و بقايا و أجزاء أدلة أحفورية من تاريخ الفرد و الجماعة ، إنه التعبير الأكثر عمقاً عن هواجس الإنسان و مشاعره و نظرته النفسية للعالم متأثراً و مؤثراً .
 و من المهام الأساسية للأسطورة تقديم إجابات للإنسان عن ذلك التناقض بين الطبيعة و الثقافة ، الذي تكشفه تجربته و حدسه الأول ، لذلك فإن للأسطورة وظيفة اجتماعية توازي وظيفتها النفسية ، فمن منظور أية جماعة منظمة تريد البقاء ، لا بد من إلهام يشحن أعضاؤها بطاقة النرجسية ، إذ يعتمد بقاء أية جماعة إلى حد ما على حقيقة اعتقاد أعضائها بأهميتها بقدر أهمية حياتهم هم أو أكثر ، بالإضافة إلى اعتقادهم بأخلاقيتها ، أو حتى تفوقها مقارنة بالآخرين . بدون تركيز نرجسي كهذا لدى الجماعة ، ستتناقص الطاقة الضرورية لخدمة الجماعة ، أو حتى التضحية في سبيلها إلى حد كبير [12]. إذ تفسر النرجسية العقلية البدائية ، فالعقل الذي لا يزال أولياً تحكمه العاطفة ، الذاتي يختلط مع الموضوعي ، إذ تكون الرغبات عنيفة بشكل تستدعي معه الإيمان بتحقيقها ، الحركة ، الكلمة ، هما بذاتيهما فعّالتان [13].
************
 و الفكر الأسطوري ، لم يكن ، إلا تعبيراً انفعالياً عن مشكلات غير محلولة أو مفهومة منذ طفولة الجنس البشري من خلال التعامل مع قوى خارجية طبيعية من جهة ، و قوى غريزية داخلية من جهة أخرى . و عندما لا يجد الإنسان أي حل لهذا القلق ، فإنه لن يجد مفراً من كبتها ، أو التحايل عليها مستعيناً بقوى عاطفية أخرى ، تشكل الأسطورة أحد أوجهها الأكثر ألفة . فاللاشعور ، حسب يونغ ، لا يمكن أن يكون مجرد شطر من العقل الفردي ، بل إنه قوة تند عن سيطرتنا ، و تؤثر في عقولنا [14].
إن الوعي بالذات ، و العقل ، و التخيل ، كل هذه الملكات مزقت الانسجام الذي اتسم به الوجود الحيواني ، و جعل ظهورها في الإنسان شيئاً شاذاً ، خارقاً في الكون ، فهو جزء من الطبيعة و يعي ذلك ، و خاضع لقوانينها الفيزيائية ، و عاجز عن تغيير هذه القوانين ، لكنه مع ذلك يتجاوز بقية الطبيعة ، و لما كان الإنسان في وعيه لنفسه ، يدرك عجزه و القيود التي تحد وجوده ، فهو يعي نهايته ، المتمثلة بالموت ، و لا يتحرر أبداً من ثنائية وجوده المتمثلة في وعي موته ، و رغبته اللا متناهية بالخلود [15]. و هذا يدفعه دائماً للقيام بمهمة حل ثنائية لا سبيل إلى حلها إلا من خلال الأسطورة ، التي تشكل إحدى المحاولات الناجعة لحل أزلية التناقض بين واقع الإنسان ، ورغباته ، حيث يتصالح الإنسان مع نفسه ، في عالم لا ينتمي إلى عالمه الواقعي ، إلا بشكل رمزي . فلا عجب وفق هذا الاعتبار أن يبدع الإنسان خارج نفسه ملاحم و موضوعات عظيمة خارقة و يحبها ، لأنها ليست عرضة لتقلبات و تناقضات الموضوعات الإنسانية ، إنها تقفز فوق عجزه لتصل إلى تحقيق كل رغباته و شعوره بالأمان و القوة . فعندما أضاع الإنسان الفردوس ( طمأنينة الطفولة ) أصبح المتجول الأبدي ( أوديسيوس – أوديب – فاوست – بوذا ) محاولاً بجهد دائم أن يملأ ثغرات معرفته ، بالأجوبة التي تحقق الانسجام من جديد بين الذات و العالم .
 لذلك يمكننا القول أن كل فكر أسطوري لا يمكن فهم إطاره التعليلي ، إلا بقراءة الحالات الانفعالية اللاشعورية التي صاغت تصوراته لهذا التعليل أو ذاك . إذ غالباً ما تكون الغرائز في أهدافها و مواضيعها الأصلية غير متوافقة مع الحياة الاجتماعية ، و في مثل هذه الشروط المحددة نكون نظرياً أمام ثلاثة خيارات . إما إلغاء الغرائز ، أو إلغاء تجلياتها ، أو تصعيدها ، بتحويلها من هدف إلى هدف آخر مباين له ظاهراً ، مطابق له باطناً ، الحل الأول ( أي إلغاء الغرائز ) ليس مستحيلاً على المستوى العملي و حسب ، بل لا يمكن تصوره نظرياً ، لأنه يؤدي بالضرورة إلى القضاء على كل طاقة بشرية . و إلغاء التجليات أمر ممكن ، و هو الدور الذي يؤديه الكبت ، و لكن من الممكن أن تكون نتائجه مؤسفة على الأقل بالنسبة لسوية البنية النفسية ، لا يبقى أمامنا سوى الحل الخير ( التصعيد ) ، أي تحويل تلك الغرائز إلى الشكل المفيد اجتماعياً [16]، و هذا التصعيد يظهر على صعيد فردي ممثلاً بالفن و الأدب و العلم ، ، أو جماعي من خلال الملاحم الأسطورية ، التي تخلع على الشخصيات التي نتماهى معها ، قوة عظمى تقاتل قوى الشر لتحمي الإنسان من شيطانه ( الغرائز ) .بل إن تراث الأفكار ذات الطابع الأسطوري و الملحمي المقدس ، و الذي لا يستمد قدسيته بالضرورة من الدين ، بل من المجتمع نفسه ، لا تنطوي على تحقيقات لرغبات و حسب ، بل أيضاً على تذكرات تاريخية هامة ، فما أعظم و ما أوسع السلطان الذي سيتقلده الدين بنتيجة هذا التعاون بين الماضي و المستقبل . و هذا ما يجعل من الأسطورة حلم جماعي بامتياز . و نحن نعرف أن الأسطورة و الفكر المرافق لها ، لا تختلف كثيراً عن اللغة الرمزية التي نستعملها في الحلم ، مع فارق أن تلك اللغة يتم التعبير عنها و كأنها تجارب حسية [17]، على اعتبار أن الحلم أسطورة الفرد ، كما أن الأسطورة هي حلم الجماعة . ورموز الحلم و الأسطورة ما هي إلا تعبيراً عن تحقيق رغبات مستحيلة أو صعبة التحقيق . فأحلام اليقظة أو النوم تشبه أسطورة فردية بطلها الشخص نفسه ، و هي حيلة تخفف التوتر الانفعالي ، و عملية إعادة للتوازن تبقى غير ايجابية ، إنها حل تخيلي هروبي سريع الزوال ، نلقاها في الإكثار من التصورات التي يُدعى أنها تطور الواقع ، و نلتقطها لتجميل المستقبل تجميلاً يعوض عن الحال المضطرب أو المحبط [18].
و الملفت ، أن هناك تلازم في الإطار العام ، بين ضعف تأثير الأساطير الاجتماعية على الجماعة ، و كثرة أحلام اليقظة لدى الشباب ، حيث يعوض الحلم الفردي الحلم الجماعي . و قد كان يونغ مندهشاً ، و هو يصغي إلى خيال مرضاه العفوي و أحلامهم ، من أن يصادف أشكالاً و أوضاعاً و مشاهد لا تتكرر من حالم إلى آخر و حسب ، و لكنها موجودة أيضاً في حكايات الجنيات و الأساطير و القصص التي تنتمي إلى ثقافات مختلفة ،  حيث يقول أنه : “ينبغي أن نلاحظ أن ثمة موضوعات ، أي أشكالاً نموذجية ، بوسعنا أن نكشف أثرها البعيد في التاريخ ، بل حتى في ما قبل التاريخ ، و يبدو لي أنها تنتمي على وجه مطلق ، إلى العوامل البنيوية للاشعور الإنساني ، و لولا ذلك ، لن أحسن شرح حضورها الكلي المتماثل في كل مكان “[19].
لذلك يسهل فهم الأساطير من خلال دراسة الحلم ، حيث يعيدنا الحلم إلى حالات قديمة جداً من الحضارات البشرية ، و يمنحنا وسيلة فهمها بشكل أفضل ، و الأساطير تتبع نفس قواعد الحلم ، و تعبّر عن نفس الرغبات التحريمية ، و النزوات العدوانية كقتل الأب ، و زواج المحارم ، أو مجرد رغبة القتل من اجل القتل ، كما في أرباب الانتقام ، حيث ينتقل الليبيدو إلى مواضيع ثانوية ، من خلال تكثيف الصور و تقسيم الميول ، الفارق الوحيد يكمن هنا ، في أن الحلم يُبرز الليبيدو الفردي ، و الأسطورة تبرز الليبيدو الجماعي ، حيث يقول المحلل النفسي ” كارل أبراهام ” : ” الأساطير هي البقايا المشوهة ، التخيلات و رغبات أمم برمتها ، هي أحلام البشرية الحديثة التي امتدت قروناً طويلة ، و يؤكد يونغ بأن الميثولوجيا الفلكية ليست سوى إسقاط السيكولوجيا اللاواعية في السماء ، فالأساطير لم و لن تبتكر مطلقاً بشكل واع ، و إذا ما كنا نريد التوغل في أعماق حضارة ما ، و معرفة الدوافع الخفية التي تشكل بداية المؤسسات الاجتماعية ، سيتوجب علينا تحليل أساطير هذه الحضارة [20].
و من جهة أخرى ، يترك هلع صدمة الولادة ، كما يرى رانك ، أثاراً عميقة في لا وعي الطفل ، فهو يفسر الحلول الأولى لمسألة الموت، الذي ليس توارياً أو تدميراً ، بل عودة إلى الرحم ، و أول تفسيرات سر الولادة ، يرغب الصغير في معرفة من أين يأتي إخوته ، بكل حال ، فهو لا يعير أي التفاته لأعضائه الجنسية ، لقد جاء الأخ من البطن ، الفخذ أو الشرج ، أو الفم ، لماذا ؟ لأنه يريد أن ينسى ذكر قدومه المريعة إلى العالم ، انتزاعه من بطن أمه ، لا يتأتى تبخيس قيمة المرأة من كونها ذات مظهر مخصي و حسب ، و إنما من إيقاظها في الطفل ذكرى ترتبط بالولادة ، مع قافلة من الذكريات المؤلمة عند البالغ ، و ليس الشطح الصوفي سوى عودة رمزية إلى الوضعية داخل الرحم ، تماماً كما يعتبر المعبد الخافت نسخة مؤسساتية له [21].
 
************
و عن طريق الحلم ، و من خلفه الأسطورة ، أبان لنا فرويد أن اللاشعور ليس مجرد وصف لمفهوم ، و إنما هو لغة مسكون بها الإنسان ، فالأنا لا تتكلم باسمها ، الحلم خطاب ، رسالة من الآخر القابع في كل منا ، و علينا أن نفك طلاسمها . و لغة الحلم ، كما الأسطورة ، ما هي إلا طريقة يحاول النشاط النفسي اللاشعوري عبرها أن يعبّر عن نفسه ، رغم أن اللاشعور يتحدث بلهجات متعددة [22]. و الطريقة التي يعبر بها الحلم عن مقولتي التضاد و التناقض لباعثة على الدهشة حقاً ، فهو لا يعبّر عنهما ، بل يبدو كأنه ، يجهل ال ( لا ) ، و لكم يبرع في الجمع بين الأضداد و في تمثيلها في موضوع واحد . و يبدو أن مفسري الأحلام في العصور القديمة قد استخدموا على أوسع نطاق الفرضية التي مؤداها أن الشيء يمكن أن يدل في الحلم على نقيضه ، و يسلّم بهذه الإمكانية أيضا المحللون المعاصرون في مضمار الأحلام ، و الأمر نفسه ينطبق على الأسطورة بالطبع .
 و الشيء الواحد الوحيد الذي يمكن لعلم النفس أن يقرره هو حضور الرموز التشكيلية التي ليس تفسيرها محدداً في شيء بصورة مسبقة ، و بوسع المرء أن يقرر بشيء من اليقين أن للرموز سمة الكلية ، و تعني إذاً ضرباً من الكلية على وجه الاحتمال [23]. و يرى التحليل النفسي الفرويدي في كل رمز ، انعكاساً لاواعياً للطبيعة النفسية للإنسان ، و بذلك تتلاقى رموزها مع رموز الأحلام و الحالات النفسية غير المفهومة . و بدراسة الأنا الواقعة فوق الوعي ، تتكشف الأسباب العميقة و العلل المحددة لنشاط الوظيفة المرمزّة لدى الإنسان . فأسطورة أوديب و قدمه المشوهة ، تكوّن رمز لقلق مشوه ، و أبو الهول ( السفنكس ) المُراد مواجهته في الأسطورة ، ليس إلا ميدان اللاوعي المهول و المخفي . و زواج أوديب من الأم ، و ما ينتج عنه من غشيان محارم ثم انتحار الأم أي الموت ، و سمل عيني أوديب كعقاب عن خطيئة  ناتج عن شعور بالذنب بعد معرفة الأسرار ( معرفة لغز طرحه السفنكس و استطاع أوديب فكه ) ، و ذلك ليس إلا تعبيراً عن العواقب التي تتبع محاولة معرفة الدوافع الدفينة للرغبات البشرية .
و بالتالي انطلاقاً من التحديد الفرويدي ، نجد المحرم هو فعل محظور يندفع اللاوعي نحوه بواسطة ميل أقوى ، غير أن هذا الميل شديد القوة بشكل أنه يُقاوم التحريم ، خالقاً التقاطب في مفهوم المقدس ، و يمكننا الموافقة كواقعة مؤكدة ، في حياة البدائي النفسية ، على أن التقاطب يلعب باستمرار دوراً اكبر مما يلعبه في الحياة النفسية للمتحضر الحالي ، و التناقض في هذا التقاطب يؤدي كنتيجة طبيعية إلى التواري التدريجي للمحرم الذي لا يعد سوى نظام تسوية بين ميلين متصارعين . و تنقلنا المحرمات من المعتقدات الدينية إلى الطقوس ، لا يتوهم المريض تصورات خيالية فقط ، بل إنه يبتكر طقوساً دينية شديدة التعقيد [24].  فلو تناولنا أسطورة ولادة البطل ، التي كانت مادة العمل الكلاسيكي ، نرى كل الروايات حول ولادة البطل ، إن يكن موسى أو المسيح ، أو أوديب ، أو رومولوس ، أو تريستيان ، أو لوهانغرين ، تتبع نفس المتوالية الموضوعية ، البطل هو ابن إله أو ملك ، إنما تتعرض ولادته عراقيل ، يتنبئون بأنه سيقتل والده ، و أحياناً سيولد سراً ، يُحكم على المولود بالموت ، أو بالتخلي ، يوضع في صندوق و يلقى بالماء ، أو يسافر مع أمه و أبيه هرباً من الموت ، يخلصه ناس فقراء يصبحون أهله ، بعد ذلك ينتقم البطل من أبيه ، أو ملكه الذي هو بمثابة الأب ، و يعلى من أهميته ، و نحن نجد أن المصابون ببارنويا العظمة ، يختلقون روايات لها علاقة بعلاقات أمهاتهم بشخصيات رفيعة المقام ، و يميزون بين أباهم الحقيقي ، و الظاهر ، و ذلك يسمح لهم بالتوفيق بين مشاعرهم المتناقضة بين الحب و الكراهية ، التي تتغذى تجاه مالك الأم ، و ذلك بتقطيعه اثنين ، و جعل الأب الوحي هو المثل الأعلى [25].
وفق هذا الاعتبار ، أكد فرويد أن هناك الكثير من الظواهر السلوكية الغامضة ، كالتنويم المغناطيسي و الأحلام ، يمكن أن تُفسر بسهولة متى تم الاعتراف بأن الحياة النفسية تعمل على عدة مستويات ، و أن واحداً فقط من هذه المستويات هو واعٍ تماماً بالمعنى العام للتعبير ، و أن الوعي لا يحتوي في كل لحظة إلا مضموناً ضعيفاً بحيث أن معظم ما نسميه معرفة واعية يجب أن يوجد ، في غالب الأحيان ، في حالة الكمون ، و بالتالي في حالة لاوعي نفسي [26]. حيث يمتد اللاوعي على حقل واسع ، و يمكن تشبيهه بأنه مجموعة نفسية بدائية ، و لو كان عند الإنسان بنية نفسية موروثة عن أقدم أجداده ، لو كان عنده شيئاً مشابهاً لغريزة الحيوان ، لكان هذا الشيء هو الذي يشكل نواة اللاوعي [27].
و مفهوم ” عودة المكبوت ” في صورة ميراث عقلي فطري ، و المتوارث لدى كافة الناس عن الإنسان الأول منذ المجتمع البدائي ، يمثل مسألة أساسية و جوهرية للتحليل النفسي الفرويدي ، فالخصائص النفسية و الطبائع و الذكريات و الأفكار ، و النزعات الجنسية الطفلية ، و الازدواجية الوجدانية التي فطر الإنسان عليها ، منذ العصور الأولية القديمة ، كل هذا قد تم توارثه من جيل إلى جيل ، و هو مختزن في أعماق لا وعي الإنسان ، هذا الميراث قاد فرويد إلى ترسيخ اعتقاده بأن عقدة أوديب هي حقيقة ثابتة ، بل هي حدث تاريخي ، كان له موقعه في الحياة البشرية ، أي أن عقدة أوديب هي ظاهرة شاملة تلعب دوراً مصيرياً في حياة البشر ، و عند جميع الشعوب في مختلف الحضارات . و هذا ينطبق على العديد من التصورات النفسية ذات الطابع المقدس ، فمثلاً كانت النظرية الإبليسية ( المس ) الشائعة في الأزمنة السابقة المظلمة ، أقرب إلى الصحة و الصواب من جميع التأويلات البدنية التي رأت النور في حقبة العلوم الدقيقة ، فضروب المس ، تناظر أعصبتنا التي عمدنا إلى تفسيرها بالاستعانة من جديد بالقوى النفسية ، فالأبالسة في نظرنا ، نحن ، رغبات شريرة ، مُستهجنة ، تتبع دوافع مكبوتة ، و كل ما هنالك أننا نتحاشى إسقاط هذه الخلائق النفسية في العالم الخارجي على نحو ما كان يفعل العصر الوسيط ( نلاحظ حتى الآن نبرر أفعالنا المستهجنة بأنها وسوسة الشيطان ) ، بل ندعها تولد في حياة المرضى الداخلية حيث مكان إقامتها [28].
بذلك أكد التحليل النفسي أن علم النفس مهما درس الحياة العقلية الشاملة المستنيرة التي تظهر في التفكير الشعوري ، و مهما ساعد بشتى وسائل التنقيب ، فإنه لن يتيسر له الكشف عن الإنسان الباطني الكامل ، و هذه الدراسة تحتاج إلى تضمين اللاشعور . ووجود اللاشعور في النفس ليست من اختراع فرويد فقط . فهي مسألة قديمة و مُعترف بها من الجميع ، و قد اقترح ستانلي هول ، أن تشبه النفس جبل الجليد يمثل الشعور فيه الجزء البارز على سطح الماء ، أما الجزء الأكبر ، و هو الكتلة المغمورة و غير المرئية ، فتمثل اللاشعور ، و لم يعترض الكثيرون على هذا التشبيه . فاللاشعور الفرويدي الذي يُحدث الأعراض النفسية و يفرضها ، من الميسور أن يفهم على أنه شيء طبيعي ، لا كعامل خارق للطبيعة ، و هو ينشأ إلى حد ما ، داخل النفس . ************
 
 و مع يونغ ، سوف تكون الرموز و الصور التي تنبع عفوياً من اللاشعور الجماعي ، بمثابة قوى و شحنات ايجابية رابطة للإنسان ، فهي مشروطة تاريخياً بزمن و ثقافة معينين بعالم روحي أكثر غنى من العالم التاريخي ، أي المحدود الماكث فيه ، فالدور الأول للرمز ، يتمثل في إعادة التوازن للفرد بإنتاج ، دون حد ، لصور نموذجية معيارية داخل النشاط الإنساني ، تسمح للإنسان بوعي روحه . فالأسطورة إذاً ، تجمع عناصر ذاتية لصيقة بالنفس الإنسانية ، و تضم معطيات موضوعية من العالم الذي عرفت النشوء فيه ، فالشمس و القمر معطيان موضوعيان ، في حين أن العديد من المنظومات الدينية وقع توظيفها للتعبير عن شيء مغاير ، و الأسطورة لا تُنسج حول الشمس أو القمر إلا انطلاقاً من فعل نفسي مميز ، يعبر عنه بالعملية الرمزية ، و التشابه و التماثل للرموز عبر الزمان و المكان ، سواءً في الأساطير ، أو في التجربة اليومية للحالمين ، و المجهولة من جانبهم ، تبين وجود حالات مشتركة بين كل الناس . لاواعية جماعية [29]. يقول يونغ : ” نصف حياتنا النفسية على الأقل مسرحها وجودنا الليلي ، و كما أن الشعور يمد تفرعاته حتى في ليالينا ، فإن اللاشعور أيضاً يبرز في حياتنا من خلال اليقظة ، و ليس ثمة شخص يرتاب في أهمية الحياة الشعورية و تجاربها ، فلماذا نرتاب إذاً من دلالة تلاحق الأحداث اللاشعورية ؟ إنها حياتنا أيضاً ، و هي في بعض الأحيان أكثر خطراً من الأحداث الشعورية ، و أكثر أمناً في أحيان أخرى [30].
فالإنسان هو الجاهل الوحيد الذي لا يعرف أنه يجهل ما يعرفه ، و عليه واجباً و التزاماً كي يعرف أقصى ما يستطيعه عن نفسه . فالفرد يعتمد في شرح العوامل اللاشعورية على الأحلام و على الخيال الإيجابي ، اللذين تبدو فيهما هذه العوامل في حالة الإسقاط معزولة بصورة نسبية عن سلوكيات ممتزجة بها عادةً .
و قد وضح يونغ في مرحلة أولى ، واقعاً مفاده أن الذات أسقطت ، قبل التعرف عليها ، في وجوه ميثولوجية ، فالأنا الشعورية ، هي العامل النفسي الوحيد الذي يستجيب للتناقضات الداخلية في القوى اللاشعورية ، و شرط وحدتها ، و المبدأ الذي يرغمها على أن تندرج في التاريخ ، على شكل حكاية أو قصة أو أسطورة و ملحمة .
 فمثلاً : تتلخص أسطورة الأب الباطش عند فرويد أنه في البدء كان الرهط يدار من قبل أب عنيف و متسلط يملك نساء القبيلة بشكل قطعي على حساب أولاده الذكور ، ( ينبغي ملاحظة أن هذه الأسطورة لا يجب أن ننظر إليها ضمن السياق التاريخي المتحقق ، بقدر ما ننظر لها باعتبارها حقيقة نفسية تعبر عن نزاع عميق كامن في النفس البشرية تجاه القانون و السلطة القامعة للرغبات ) يُقتل الأب من قبل الأولاد ثم يُقتسم و يُؤكل ، فتحقق هذه الوضعية نمطاً من التماهي البدائي الذي يهدف إلى اجتياف قوة و مخافة الأب ، مما يولد الشعور بالذنب ، هذه المشاعر تطلق تماهيات مع نظام أعلى جاعلة الأب مثالياً ، فالأب الميت يصبح مثالاً و أكثر سلطة و قوة ، لأن افتتان الوعي بصورة السلطة لا يتم إلا في غيابها ، فينشأ التماهي المتبادل بين الأولاد ، وينبثق الحب بين الأشقاء ، و يحل محل الغيرة البدائية مكوناً فيما بينهم ، ولادة أول تنظيم اجتماعي ، حيث بروز أول مؤسسة أخلاقية دينية و حقوقية ، فيصبح الأب مجسداً للقانون الرمزي . إذ أن كل صورة رمزية في الحلم ، كما في الأسطورة ، هي الرمز لشيء أحسسناه ، و ربما رغبناه .
************
 و اللغة الرمزية ، هي اللغة التي يكون فيها العالم الخارجي رمزاً للعالم الداخلي ، و ذلك على النحو نفسه في كل الأساطير و الأحلام سواء في الثقافات البدائية ، أم في الحضارات اللاحقة ، كالمصرية و اليونانية ، لذلك نجد أن الرموز المستعملة في مختلف هذه الحضارات ، متشابهة بشكل ملحوظ ، و ذلك لأنها تعود إلى نفس المحسوسات أو المدركات الحسية ، و تعود إلى نفس التجارب الروحية التي تجمع أبناء هذه الحضارات كلهم [31]. على سبيل المثال : نذكر أن العملة في كل الحضارات تعبر عن رمز الغائط ، و هو ما يمثل الشخصيات ذات الطبيعة الشرجية وفق المصطلح التحليلي ( في بابوس ميلانيزيا – أشنتي _ سيام – أرامي – كيواي في غينية الجديدة ) و يرمز للأب بالحاكم ، الطوطم ، الوحوش الأسطورية ، الأرواح آكلة لحوم البشر ، الشمس . و يرمز إلى الأم بالكنيسة ، المغارة ، القمر ، و إلى الولادة بالماء ( الداغومبيا في إفريقيا ، الكيوكيوتل في أميركا ، التيكوبا في بولينيزيا )[32]. 
و إذا ما نظرنا إلى بنية كل فكر أسطوري بخصوص نشأة الكون ، نجد دائماً أن الكون من خلق كائن يشبه الإنسان ، لكنه أعظم منه من كل الوجوه ، فهو أقوى منه جانباً ، و أكثر حكمة ، و أشد بطشاً ، و على الجملة ، فالكون من خلق إنسان مثالي أسمى ، أو حيوان عظيم كما نجد من أثار الطوطمية ، و من الطريف أن نلاحظ أن خالق الكون يكون على الدوام ذكراً ، و لو كان يوجد من أدلة على إلهة من الإناث ، فإنها واقعياً لا تأثير مباشر لها في خلق الكون ، ففي الكثير من الأساطير نجد خلق العالم ، بدأ بإله ذكر إما بشكل مباشر ، أو عن طريق انتصاره على آلهة أنثى ، يمسخها و يمزقها لينشأ العالم من جسدها برمزية لا يمكن إغفالها عن تصور ذكوري عدواني و سادي واضح المعالم ، ذلك الإله يدعى صراحة بالأب .
و قد استخلص التحليل النفسي أن فكرة الإله الأب تمثل الأب فعلاً ، يكسوه ذلك الجلال الذي يبدو لعين طفل صغير ، فالإنسان المتدين يتصور خلق الكون على غرار خلقه هو ، و في كنف هذا الأب يشعر بالطمأنينة و الحماية ، و حتى الراشد الكبير يشعر في قرارة نفسه ” لا سيما عند إحساسه بالضعف لأي ظرف كان ” أنه من العجز و قلة الحيلة ما كان في طفولته ، و أنه في صلته بالعالم الخارجي لا يزال طفلاً ، و لا يستطيع أن يتخلى عن تلك الحماية التي كان ينعم بها و هو طفل [33]. من هنا نستنج ارتباط الحاجات المقدسة و ما يتبعها من أساطير ، بحالة التبعية المطلقة في الطفولة ، و كذلك في الحنين إلى الأب الذي تثيره هذه الحالة ، و هذا الإحساس المذكور لا يرجع إلى بقايا هذه الحاجات من مرحلة الطفولة فقط ، بل لأن القلق الذي يشعر به الإنسان أمام قوة القدر القاهرة يرعاه بطريقة دائمة قوة الحاجة إلى حماية الأب. بذلك يغدو اللاشعور ، رحم القضايا الميتافيزيقية كلها ، و كل الأساطير ، و كل فلسفة .
و تظهر محتويات اللاشعور الجمعي ظهوراً بارزاً جداً في بعض حالات الاضطرابات العقلية ، و في الفصام على وجه الخصوص ، و تنتشر في هذه المحتويات صور ميثولوجية ذات تنوع ليس موضع الظن ، و يتيح للمصابون بالاغتراب العقلي على الغالب ، تداعيات أفكار و رموز لا ترجع إلى تجارب وجودهم الفردي ، بل تستند إلى تاريخ الفكر الإنساني ، إننا إزاء الفكر البدائي الميثولوجي الذي يعيد إنتاج صوره الأولية ، و ليس إزاء إعادة إنتاج للتجارب الشعورية على الإطلاق . يقول يونغ : أنه في حين أن محتويات اللاشعور الشخصي مكتسبة خلال حياة فرد من الأفراد ، فإن محتويات اللاشعور الجمعي ، هي أنماط أولية على نحو لا يتغير ، أنماط أولية موجودة منذ البداية ، و بذلك يغدو اللاشعور الشخصي مصنوعاً من اللاشعور الجمعي ، إنه ناجم عن التقاء مصادر المعلومات التي تحكم التطور الإنساني و تأخذ بالحسبان الظروف ، و الخصوصيات و الاختيارات و الوارثات و الأساطير ، و التقاليد ، و بالاختصار كل سياقات الوجود المادية و النفسية و الاجتماعية و الفردية [34].
************
من هنا نرى أن  الأسطورة  إذا كانت تروي تاريخاً ، فإن طبيعتها العميقة هي في كونها لا تاريخية ، إنها محاولة اندماج و توحد آمن بين الحدث الخارجي ، و الرضات النفسية التي يخلقها في الإنسان ، إنها محاولة تفسيرية توائم بين الواقع و المرغوب ، و بالتالي تمثل الأسطورة تكتيكاً لإلغاء التاريخي ، و تحقيقاً للحدسي ، فهي مسعى عفوي للإنسان للتملص من وجوده التاريخي ، و لأجل تحقيق هذا الأمر يبدو المخيال الأسطوري للإنسان مليئاً بالإمكانات . وعلى ذلك فإن ميزة الأسطورة ليس في تقديمها صورة موضوعية عن العالم ، و لكن في تعبيرها عن الشكل الذي يتفاهم به الإنسان مع هذا العالم .  يقول جوستاف لوبون : ” إذا كان الأموات أكثر من الأحياء بما لا يحصى ، فإنهم أقوى من الأحياء بما لا يحصى ، و الأموات يسيطرون على دائرة اللاشعور الواسعة ، تلك المنطقة الخفية التي يصدر عنها جميع مظاهر الذكاء و الأخلاق ، و الشعب مُسيّر بأمواته أكثر مما بأحيائه ، و بالأموات وحدهم يقوم العرق ، و الأموات في القرن بعد القرن أوجدوا أفكارنا و مشاعرنا ، و من ثم جميع عوامل سيرنا ، و الأجيال الغابرة تفرض علينا أفكارها ، فضلاً عن مزاجها الجسماني ، و الأموات وحدهم هم سادة الأحياء بلا جدال ، و نحن نحمل وزر خطايا الأموات و نقطف ثمرة فضائلهم 
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
مُشاطرة هذه المقالة على: reddit

لتَّحليل النّفسي للفكر الأسطوري :: تعاليق

هرمنا
رد: لتَّحليل النّفسي للفكر الأسطوري
مُساهمة السبت مارس 18, 2017 9:40 pm من طرف هرمنا
[size=15]الكبت و الإكراه ، أو التقييد و التعنيف و التجريح ، من أكبر العوامل التي تقلقل و تبعث التوتر ، هنا قد يظهر النكوص على شكل رجوع في الفكر و السلوك إلى مرحلة سابقة ، إلى التجربة الأولى ، إلى مراحل الطفولة في الأمة ، أو التاريخ الفردي للشخصية ، و من اليسير جداً ملاحظة النكوص في سلوكيات الأسلاف أو طرائقهم التي نجحت ، و أفكارهم التي وفرت لهم التكيف الناجح و المعافاة و الإسهام في صنع الحضارة البشرية [6].[/size]
[size=15]و لا بد التمييز هنا بين الحرمان الذي يصيب الناس جميعاً ، و الحرمان الذي لا يصيب الناس جميعاً ، و إنما بعض الفئات أو الأفراد أو الطبقات فقط ، ضروب الحرمان بشكلها الأول هي الأقدم عهداً ، و بفعل أشكال الحظر التي تمخضت عن هذه الضروب من الحرمان منذ آلاف السنين ، شرعت الحضارة تنأى عن الحالة الحيوانية البدائية ، و لشد ما يدهشنا أن نعرف أن تلك الضروب من الحرمان لم تفقد شيئاً من قوتها ، و أنها لا تزال تشكل حتى الآن نواة العداء للثقافة . فالرغبات الغريزية تعاود الولادة مع كل طفل ، و ثمة طبقة بكاملها من البشر من المصابين بالأمراض العصبية ترد على تلك الضروب البدائية من الحرمان بالنفور من الحياة الاجتماعية ، هذه الرغبات الغريزية ، هي رغبات حب المحارم ، و أكل لحوم البشر ، و القتل [7]، رغبات عبر[/size]
 

لتَّحليل النّفسي للفكر الأسطوري

الرجوع الى أعلى الصفحة 

صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
حركة التنويريين الاحرار لشمال افريقيا :: الحــــــــــــــــــداثـــة-
انتقل الى: