حركة التنويريين الاحرار لشمال افريقيا
زوارنا الكرام ..هرمنا ترحب بكم .. وتدعوكم لاستكمال الثورة الثقافية ..اضموا الينا ثورة وابداعا
حركة التنويريين الاحرار لشمال افريقيا
زوارنا الكرام ..هرمنا ترحب بكم .. وتدعوكم لاستكمال الثورة الثقافية ..اضموا الينا ثورة وابداعا
حركة التنويريين الاحرار لشمال افريقيا
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.



 
الرئيسيةالبوابةالأحداثالمنشوراتأحدث الصورالتسجيلدخول
عدد الزوار


 

 إبيستمولوجيا المسار العلمي بالغرب من العقل الأداتي إلى العقل التواصلي

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
abdo
ثـــــــــــــــائر
ثـــــــــــــــائر
avatar


الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 68
معدل التفوق : 176
السٌّمعَة : 20
تاريخ التسجيل : 28/01/2012

إبيستمولوجيا المسار العلمي بالغرب   من العقل الأداتي إلى العقل التواصلي Empty
22022012
مُساهمةإبيستمولوجيا المسار العلمي بالغرب من العقل الأداتي إلى العقل التواصلي

إبيستمولوجيا المسار العلمي
بالغرب



من العقل الأداتي إلى العقل التواصلي


بقلم: عياد أبلال


مقدمة:


خرجت أوروبا من عصر الأنوار برغبة قوية
في الارتقاء بالنتائج الجزئية لعلوم الطبيعة إلى مرتبة نتائج علمية مثالية وكلية،
وذلك بجعل الفكر العلمي فكرا دقيقا لا تقيده قيود أو حواجز ما دام يسعى إلى أمثلة
الطبيعة انطلاقا من خطاب رياضي -منطقي- يهدف إلى الإحاطة الشاملة بالكون والأشياء
بما في ذلك الإنسان، خاصة بعد الانبهار الكبير بنتائج الفيزياء والبيولوجيا. وقد
كان النجاح الذي حققته هذه العلوم بمثابة المشروعية العلمية في حد ذاتها، إذ سرعان
ما سوف تنتقل مناهجها إلى باقي العلوم خاصة تلك المسماة إنسانية، وفق نموذج أمثلة
علوم الإنسان، انطلاقا من محاولة إضفاء طابع التجانس على التجارب الإنسانية
وقياسها وضبطها وفق قواعد الرياضيات والمنطق؛ وفي ذلك إغفال كبير للذات التاريخية
ومكوناتها الأنثروبولوجية التي سوف ينساها الفكر العلمي الحديث جاعلا من هذه الذات
حاجزا إبيستمولوجيا –وفق فلسفة العلوم التقليدية- أمام الارتقاء بعلوم الإنسان إلى
مرتبة العلوم الحقة التي دعمت بفضل نتائجها المركزية الغريبة حول الذات وحول العقل
الغربي، الذي سلبته حريته وجعلته سجين عقلها الأداتي، والذي تضخم من خلال الالتحام
الذي حصل بين العلم والتقنية ومن خلال الآليات التي أرسهاها المجتمع الحديث فيما
يخص إنتاج السلع وتوزيعها واستهلاكها مع التأكيد على قيمة الأشياء في معزل عن
البعد الإنساني.



لقد أصبح العقل محورا تتمركز حوله كل
الإمكانات والقدرات الهادفة إلى السيطرة النهائية على الطبيعة، وذلك من خلال
تحويلها إلى موضوع مباشر للبحث والتحليل، وتجريدها من خصائصها، وتفتيتها إلى ذرات
منفصلة وإدراكها من خلال مقولات مادية بسيطة ذات بعد واحد تم إخضاعها للقياس والحساب
والتحكم والسيطرة. وقد نقلت هذه الفكرة إلى دراسة الإنسان حينما أخضعته هو الآخر
لمقولات العلوم الطبيعية وقوانينها. وعبر التجربة والممارسة تحول العالم-الطبيعة
والإنسان- إلى مادة استعمالية خاضعة للعقل بوصفه أداة تمارس فيه تجاربها
واستنتاجاتها دون مراعاة علاقة الإنسان الحميمية بالطبيعة، ودون الاهتمام بالعمق
الإنساني للإنسان بمعنى أن العقل آل إلى وسيلة مستقلة لها أهدافها وغاياتها
الإجرائية في البحث











[1].


1 – مدرسة فرانكفورت ومحاولة تقويم مسار
العلم بالغرب:



ولقد استخلص العديد من المفكرين السمات
الأساسية للعقل الأداتي وكذا خطورة إستراتيجيته على الحياة الإنسانية في بعدها
الثقافي-الأنثروبولوجي وخاصة رواد مدرسة فرانكفورت، هابرماس ومن قبله هوركهايمر
وأدورنو وماركوز، وقد بينوا في العديد من الكتابات خلفيات، وكذا تداعيات، الاختزال
الذي يمارسه العقل الأداتي أو التكنولوجي في حق الطبيعة والإنسان، وخاصة اختزال
هذا الأخير إلى مجرد كائن ببيولوجي. والمفهوم الأساس الذي أضحى مبدأ جوهريا مميزا
لمدرسة فرانكفورت في أوج ازدهارها هو أن السيطرة على الطبيعة من خلال العلم
والتكنولوجيا تنشئ بالضرورة شكلا جديدا من التسلط على البشر، وهو ما عبر عنه
ماركوز بقوله: إأن المجتمع يولد نفسه في مجموعة تقنية متناسقة ومتنامية من الأشياء
والعلاقات التي تشتمل على الاستخدام التقني للبشر. وبكلمات أخرى، فإن الصراع من
أجل الوجود واستغلال الإنسان والطبيعة أصبحا يكتسيان صبغة علمية وعقلانية أكبر
دائما[2].



وبإزاء الممارسات التي فرضتها هيمنة
العقل الأداتي في مجال العلوم المحضة والعلوم الإنسانية، وفي العلاقات الاجتماعية،
وفي مظاهر التعبير السياسي والثقافي بصورة عامة، مما جعل الإنسان الحديث يخضع لضرب
من واحدية الرؤية للحياة، طرحت النظرية النقدية بديلها وهو العقل النقدي الذي ينظر
للإنسان، لا باعتباره جزءا من كل أكبر، يعيش داخل أشكال اجتماعية ثابتة معطاة،
مستوعبا تماما ما فيها وفي تقسيم العمل القائم، وإنما باعتباره كيانا مستقلا مبدعا
لكل ما هو له من الأشكال التاريخية والاجتماعية. وهذا العقل النقدي يدرك العالم =
الطبيعة والإنسان ليس كما تدركه العلوم الطبيعية باعتباره معطى ثابتا ووضعا قائما
وسطحا صلبا، وإنما ينظر إليه بوصفه وضعا قائما وإمكانية كامنة متحفزة، وهو لا يقنع
بإدراك الجزئيات المباشرة لأنه قادر على إدراك الحقيقة الكلية والغاية من الوجود
الإنساني لأنه قادر على التعرف إلى الإنسان ودوافعه وإمكاناته والغرض من وجوده.



قد تدخل هابرماس بإضافات قيمة إلى نظرية
فرانكفورت النقدية وأخرجها من إطار الوصف إلى اقتراح العلاج أو البديل وهو العقل
التواصلي كبديل للممارسات العلمية والممارسات الاجتماعية والعقلية السائدة بكل
تداعياتها على مجمل الحياة بالغرب، بهدف تجاوز حالة الاغتراب والتشيؤ التي يعيشها
الإنسان في محيط العلم الأداتي والتقنية لذاتها. هذه الحالة المفجعة بثقلها
الأنطولوجي والسوسيوثقافي والتي لم ينج منها حتى العلماء داخل حقول العلوم برمتها،
كانت نتيجة تغييب الإنسان من حسابات الساسة والعلماء الذين سقطوا هم كذلك ضحية
المذهب الأداتي المفرط، إن برنامج هابرماس يقوم على إقامة حوار مكثف مع نتائج
التحديث، ولكنه في طرحه لمفهوم العقل التواصلي لا يريد الامتثال للعقول التي تدعي
تقديم حلول فورية لإشكاليات مركبة في البنية الاجتماعية، الثقافية السياسية
والدينية[3].



2 – واقع العلم بالغرب وآفاق نظرية
العلم الجديدة:



في هذا الإطار جاءت الواقعية البنائية،
كنظرية علم يود من خلالها فريتس فالنر الخروج عن المعتاد وإعطاء البديل العلمي
والعملي لإنقاذ العلم في الغرب ومنحه طابعا اجتماعيا وثقافيا انطلاقا من أدلة وحجج
إبيستمولوجية وعلمية تقيم الدليل القاطع على أن صورة العلم بالغرب وآفاقه تتجه نحو
الأفول وتقود الإنسان إلى المصير المجهول. لهذا لا تتوانى الواقعية البنائية
بالتنديد بالاستعمال الأداتي للعلم أو العقل الأداتي كما رأينا عند مدرسة
فرانكفورت، وبتعريف العلم بالغرب وكذا بمشروعيته المرتبطة بفلسفة العلم التقليدية،
وبنجاح العلوم الجزئية في استقلال عن الإنسان ومرجعيته الأنثروبولوجية دون أن
يتوانى كذلك في تقويم مسار العلم المعرفي وخاصة علم النفس المعرفي وباقي التخصصات
المؤمثلة. لكن السؤال الجوهري في هذه المداخلة هو: ما هي الواقعية البنائية؟ وما
هو الجديد الذي أتت به هذه النظرية للعلم والمجتمع؟ وما هي أهدافها؟ وهل هناك من
تقاطعات فعلية بينها وبين النظرية النقدية والعقل التواصلي عند هابرماس؟



تنطلق الواقعية البنائية من ضرورة
التخلص من نظرية العلم التقليدية، لأنها كانت محاولة فاشلة وذلك من خلال كونها
تسعى إلى تأسيس المعرفة دون اقتضاء وجودها بالفعل وإلى البت فيما هي المعرفة
العلمية وما ليس بالمعرفة العلمية. وهذا منطق كارناب انطلاق من اللغة، ومن محاولة
تقديم وصف شامل للغة العلمية بصورة عامة، سواء تحقق ذلك على مستوى التركيب أو تم
بفضل مراعاة تصور محدد لمبحث الدلالة[4]،
الشيء الذي جعل بعض العلماء يتخيلون إمكانية الوصول إلى قضايا بديهية محددة
وضرورية حول المعرفة بأدوات تأملية تدعى وصف الواقع الخارجي، بينما لا يكاد يحتفظ
عملهم الروتيني اليومي بصلة تصله بوصف الواقع، بقدر ما يظل مرتبطا بجمع المعطيات
وبإرسالها عبر الحاسوب بواسطة رموز محددة وبقراءتها وبتحويلها من جديد[5]،
خاصة علوم الطبيعة، متمسكين بمطلبي الوصف والمعيارية التي تمليها مجموعة من
المناهج العلمية.



والتي لم يتساءل أحد من العلماء المشتغلين
بالميدان عن ماهيتها وعلاقتها بالإنسان، مقتصرين على الجانب البيولوجي الذي يمكن
ضبطه وقياسه علميا بلغة الرياضيات، وأن المرجعية في أول المشوار العلمي وآخره هو
العالم المعطى ونتائج هذه العلوم الجزئية في وصف هذا العالم، في حين أن الواقعية
البنائية تتخذ موقفا إبيستمولوجيا اتجاه إمكانية رسم خطاطات وقوانين عامة بخصوص
الواقع الخارجي، لأنها لا تدعى كشفه في ذاته، بل تحاول الاقتراب منه في منطقة
معينة ولا تستطيع إدراكه في كليته. وهنا يختلف فالنر جذريا مع أطروحة النظرية
النقدية في كوننا قادرين على إدراك الحقيقة الكلية والغاية من الوجود الإنساني ما
دمنا قادرين على التعرف إلى الإنسان ودوافعه وإمكاناته والغرض من وجوده، وهنا يتضح
كذلك أن مدرسة فرانكفورت لم تستطع النفاذ إلى عمق الإشكالية الإبيستمولوجية للعلم
في الغرب كما حصل مع فالنر لتظل بذلك هذه النظرية النقدية منسجمة إلى حد ما مع
نظرية العلم التقليدية. إن فالنر، ووفق أسس الواقعية البنائية وأهدافها
الإبيستمولوجية، يود صياغة نظرية للمعرفة مرتبطة بالبعد البراكسيسي على نحو لا
نهمل فيه ممارسة العمل العلمي، وعلى نحو لا يقرر فيه أن العلم يقوم بوصف العالم،
بل يسلم بأن الباحث العلمي يبني العالم، بمعنى أن الفيزيائيين عندما يتابعون
صيرورة معينة داخل غرفة غازية، لا يقومون بملاحظة أدنى وجه من وجوه الواقع
الخارجي، على العكس من ذلك، يقومون بتفكيك الواقع الخارجي على نحو يؤدي إلى ميلاد
شيء لا تتم رؤيته في الظروف العامية[6]،
وبالتالي عندما نبني نظرية المعرفة بأسلوب بنائي نتعاطى مع العالم المعطي كمجال
نحيا فيه ونتعايش معه وكمقتضى ضمني في كل معارفنا وفي كل خبراتنا التجريبية وفي كل
صيرورة بيولوجية[7]،
وبالتالي فما نبنيه من معارف ومعرفة هو الواقع وأن العلاقة بين العالم المعطى وهذا
الأخير علاقة بناء وفق تفكير ذاتي قائم على الدور أو على المعرفة الدائرية
المنفتحة على اقتضاءات متغيرة بحكم أوضاع الإنسان في الزمان والمكان، عكس العلاقة
التي تطالب بها نظرية العلم التقليدية وهي وصف العالم الخارجي، وذلك بفضل التغريب
كإجراء أساسي في الواقعية البنائية الذي يفيد ويضمن انتقالنا إلى مجال مشترك وفق
عمل شبه موسوعي خارج التخصص الضيق، انطلاقا من البحث المتداخل التخصصات الذي
يساعدنا في الدخول إلى عمق المناهج التي تشكل معيار البحث العلمي في نظرية العلم
التقليدية، وبالتالي التخلص من الاستعمال الأداتي للعلم الذي سيطر على المسعى
العلمي، دون أن يهيمن تخصص من التخصصات على غيره ويملي التعليمات حول الكيفية التي
يجب الاشتغال بها.



وهنا تتضح إستراتيجية الواقعية البنائية
في نسف الأداتية وأمثلة علوم الإنسان. ويعطينا (فريتس فالنر) أمثلة على فشل هذا
المسعى في تحقيق النتائج الإيجابية من خلال علم النفس، إذ يورد في ص124 "إن
التجريد المنهجي على وجه الخصوص –وهو صفة متميزة تنطبق على كل العلوم- يلعب في علم
النفس دورا آخر وأكثر أهمية مما يحدث في الفيزياء". وهذا ما ألح عليه
ثيوهرمان بأسلوب بليغ أثناء حديثه عن عملية تجريد الإنسان من أجل اختزاله إلى نظام
لمعالجة المعلومات وهو التجريد الذي تستعمله نظريات علم النفس المعرفي: "إن
الإنسان... أكثر بكثير ويتجاوز بذاته كل المحاولات التي يلجأ إليها نموذج النسق من
أجل العمل على تمثيله، مهما تعددت طرق بلورة هذا التمثيل تعددا ممتدا إلى ما لا
نهاية، هذا النموذج ليس مؤهلا لأخذ أشياء كثيرة بعين الاعتبار، مثل إحساسنا الحي
بذواتنا وقدراتنا على الشعور بالوعي وقدرتنا على اتخاذ القرار وعلى القيام
بالأفعال، كما لا يأخذ بعين الاعتبار مدى غنى عالمنا المعيش من زاوية ظاهرية،
علاوة على أمور بديهية يومية كثيرة لا سبيل إلى التنكر لها[8]
كما أنه من بين المخاطر التي تهدد العمليات النفسية داخل علم النفس المعرفي يوجد
خطر استغلالها أداتيا"[9].
ويضيف فريتس فالنر في ص124 ما يلي: "باختصار نستطيع أن نقول بخصوص منزلة علم
النفس المعرفي في صلب فلسفة العلوم، نعتبر أن تعويض الموضوعية التي تتخذ صورة
شيئية ببنيات ذاتية متعالية مشروع فاشل، فلا علم النفس المعرفي استطاع أن يقرب من
فهمنا بطريقة عقلانية ما نحياه باستمرار من تجارب معيشة في حياتنا اليومية ولا هو
استطاع أن يقود الموضوع المرجعي في علم النفس –وهو موضوع معرض على الدوام لخطر
التحول إلى موضوع وهمي- إلى ضفة آمنة من زاوية الحجاج. توشك البنائية المتعالية
التي يفصح عنها علم النفس المعرفي أن تقع ضحية الاختيارات الذاتية العشوائية[10]".
كما يوضح في نفس الصفحة على أن الإنسان ليس مجرد كائن طبيعي خالص، بل يمثل كائنا
ثقافيا يتمتع بالكفاية اللغوية، ويتضح ذلك جليا من خلال تعامل علم النفس التطبيقي
مع الإنسان الذي يستحيل اختزاله في الجانب البيولوجي المحض، عكس تصور علم النفس
الأكاديمي الذي يغلب عليه الطابع النظري.



إن المذهب السيكولوجي الذي يجعل من
الحالة الطبيعية موضوعا للبحث ويربط المضامين الدلالية بعشوائية السيرة الذاتية
الفردية، يعرض نفسه لمخاطر إغفال العنصر المشترك بين الناس جميعا، باعتبارهم
كائنات ثقافية[11].
وبهذا الصدد يوجه فريتس فالنر مقترحا علاجيا، يتجلى في ضرورة إحداث تغيير عميق في
بنية علم النفس وذلك بإعادة النظر في التمييز بين العلم الخالص والعلم التطبيقي
لأن هذا التمييز يستند إلى التمييز بين الإدراك والعمل.



كانت هاته مجرد أمثلة إبيستمولوجية من
داخل حقل العلوم الجزئية، وهي دليل على أن الاستعمال الأداتي للعلم يتجه بالإنسان
نحو أفوله، لذلك تؤكد الواقعية البنائية أن الوظيفة النقدية للإبستومولوجيا لن
تتحقق إلا عندما نعتمد التغريب كإجراء يسمح للعلماء بنقل أنساق القضايا وقواعد
العمل التي تقوم عليها النظرية إلى سياق مقامي غريب عن هذه النظرية. ولا شك في أن
العالم سيملك معرفة أفضل بمنهجية تخصصه الضيق، كما أنه سيفتح المجال حتما أمام
إجراء مناظرة متداخلة التخصصات[12]،
كما يدعو إلى توجيه العلماء نحو التفكير الذاتي في إطار تواصلي. وهنا ينتقل فريتس
فالنر من نقده العلمي للأداتية إلى تبني المسعى التواصلي إذ نجد في ملحق آدا بيلرت
(الصفحة 97) ما يلي: تعتبر النتائج العلمية بمثابة محصول مشترك أنتجته المجموعة
التواصلية، بمعنى أن الجانب التواصلي للعلم يحظى بوزن خاص، كما يصبح التوحيد بين
البحث والتواصل ممكنا فعلا، وفي هذا السياق تعتبر الواقعية البنائية أن العلم
مشروع اجتماعي وتوجه بالتالي انتباهنا إلى الأسس الاجتماعية للمعرفة. وفي هذا رغبة
صريحة لإدخال السياق الثقافي في دائرة العلم وضرورة أخذه بعين الاعتبار، لأن
الإنسان يبقى كائنا بيوثقافيا ولا يمكن بأي حال من الأحوال اختزاله إلى بعد واحد،
كما أكد ذلك ماركوز في كتابه الإنسان ذو البعد الواحد.



فإذا كان فريتس فالنر قد وجه انتقاداته إلى نظرية
العلم التقليدية ومن جملة انتقاداته نجده قد انتقد حلقة "فيينا". فإننا
نجد من قبل مدرسة فرانكفورت قد قامت بذلك وخاصة هوركهايمر الذي انتقد الوضعية بشكل
أشمل كفلسفة للعلم في مقاليه الهامين اللذين نشرا عام 1937 وبخاصة الوضعية
المنطقية
logical positivism
أو المذهب الإمبريقي المنطقي الذي ظهر في حلقة فيينا. وكان نقده موجها بشكل عام
إلى كافة صور النزعية العلمية المغالية، أي ضد فكرة المنهج العلمي الشامل الذي
تشترك فيه العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية على حد سواء، وهي الفكرة التي عبر
عنها أعضاء حلقة فيينا في مشروعهم "العلم الواحد"
Unified
Science
، كما كان نقده موجها بشكل
خاص ضد إدعاء هذه النزعة العلمية المغالية بأن العلم هو المعرفة والنظرية، وضد
انتقاصها من شأن الفلسفة، أي انتقاصها من شأن كل موقف نقدي اتجاه العلم.



وكما أن الفكر البناء يجمع معا مفاهيم
من مختلف فروع المعرفة وينسجها داخل النموذج الصحيح للموقف المعطى، فإن الارتباط
الإيجابي بالعلم لا يعني أن لغة العلم هي الشكل الصحيح والمحكم للمعرفة[13].
وإذا كان فالنر قد جعل من العلم التواصلي هدف الواقعي البنائية، فإن هابرماس كان
قد تكلم عن العقل التواصلي كحل بديل للنظرية النقدية ولنقده اتجاه العقل الأداتي.
يبقى السؤال دائما هو ما هو الجديد فيما يخص البديل الإبستيمي الإبيستمولوجي الذي
جاءت به الواقعية البنائية.



3 – الواقعية البنائية كنظرية متكاملة
وكبديل علمي-عملي:



إن مدرسة فرانكفورت قد انطلقت في
صياغتها للنظرية النقدية من حالة الإحباط التي كانت تعيشها شرائح اجتماعية كبيرة
ومن ضيق أفق الحريات الفردية داخل المجتمع الغربي انطلاقا من سيطرة العقل
الأداتي-التكنولوجي لصالح الطبقات السائدة، المتحكمة، دون أن ننسى أنها قد تأثرت
بشكل كبير بالماركسية كما هو معروف، إلا أنها لم تنتبه إلى ضرورة التحقق من العديد
من المفاهيم التي ظلت عامة كما أنها أهملت جانب وضع البديل المنهجي وبعدها الكبير
عن الإبيستمولوجيا كفلسفة نقدية للعلم. لذلك ظلت بالرغم من موقفها النقدي سجينة
التصور التقليدي كما رأينا سابقا: فهي لم تصغ بديلا علاجيا لحالة العلم بالغرب
انطلاقا من فحص نتائج العلوم الجزئية ومشروعية العلم المرتبطة بالعالم المعطى
وبنجاحه وبهيمنة التقنية على الحياة الإنسانية لتبقي صرخة هذه المدرسة النقدية
مجرد مفاهيم، سرعان ما ذهبت مهب الريح بوفاة روادها. وذلك عكس الواقعية البنائية
التي،بحكم كونها نظرية جديدة للعلم، قامت كما ورد سالفا لدحض الخلفية المرجعية
الغربية للعلم والتي تتجلى في فلسفة الغرب التقليدية، وذلك انطلاقا من فحص هذه
العلوم الجزئية ونقدها، وكذا ارتباطها بالمنهج كبنية فوقية تحدد المعايير التي يجب
اتباعها والتي امتدت إلى علوم الإنسان وأمثلتها وأعطت بالمقابل بديلا عمليا يتجلى
في البحث المتداخل التخصصات انطلاقا من مفهوم مركزي وهو التغريب ووفق تفكير ذاتي
تواصلي، كما يرتبط تحقيق برنامجها (=الواقعية البنائية) بإصلاح الجامعات والتعاون
بين العلماء مهما اختلفت تخصصاتهم وتحملهم للمسؤولية اتجاه المجتمع، كما تحث على
تشجيع طلبة البحث على الخلق والابتكار وذلك من خلال مبادئ مشروع "الترابط
والتناقض".



خلاصة:


انطلاقا مما سبق يتضح جليا أن الواقعية
البنائية كنظرية وضعت في خدمة العلم، تعتبر بحق نظرية متكاملة ومتراصة البناء لم
تغفل جانبا على حساب آخر، بل سعت إلى نفي كل ثنائية أو فصل حتى ولو كان منهجيا،
كما سعت إلى ربط العلم بالمحيط الثقافي والمجتمعي وركزت على أن الإنسان كائن
بيوثقافي، إلا أن الجانب الأكثر أهمية وقوة هو حرص فالنر على الصياغة الدقيقة
لمفاهيمه انطلاقا من تموقعه "اإبيستمولوجي" داخل حقل العلوم عكس النظرية
النقدية لمدرسة فرانكفورت –للأسباب التي ذكرناها سالفا. ولكن لا بد من أن نلاحظ أن
هناك بالإضافة إلى فلسفة فيتغينشتاين والعلوم المعرفية تقاطع بين الواقعية
البنائية ومدرسة فرانكفورت، لكن فريس فالنر لم يشر إلى ذلك ولو بإشارات.






[1] - عبد الله إبراهيم،
المركزية الغربية: إشكالية التكوين والتمركز حول الذات، المركز الثقافي العربي،
الطبعة الأولى، 1997، ص354.
[2] - توم بوتومور، مدرسة فرانكفورت، ترجمة سعد هجرس، دار أويا، الطبعة الأولى،
1998، ص78.
[3] - مارتن هايدغر، التقنية الحقيقة – الوجود، ترجمة محمد سبيلا وعبد الهادي
مفتاح، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، 1995، بتصرف، ص45.
[4] - فريتس فالنر، مدخل إلى الواقعية البنائية، ترجمة لحكيم عز العرب بناني،
ص185.
[5] - نفس المرجع، ص14.
[6] - مدخل إلى الواقعية البنائية، ص15.
[7] - نفس المرجع، ص153.
[8] - مدخل الواقعية البنائية، ص120.
[9] - نفس المرجع، ص122.
[10] - نفس المرجع، ص98-99.
[11] - نفس المرجع، ص125.
[12] - نفس المرجع، ص125.
[13] - توم بوتومور، مدرسة فرانكفورت، ص64.







الواقعة البنائية


إبيستمولوجيا المسار العلمي
بالغرب



من العقل الأداتي إلى العقل التواصلي





بقلم: عياد أبلال





مقدمة:


خرجت أوروبا من عصر الأنوار برغبة قوية
في الارتقاء بالنتائج الجزئية لعلوم الطبيعة إلى مرتبة نتائج علمية مثالية وكلية،
وذلك بجعل الفكر العلمي فكرا دقيقا لا تقيده قيود أو حواجز ما دام يسعى إلى أمثلة
الطبيعة انطلاقا من خطاب رياضي -منطقي- يهدف إلى الإحاطة الشاملة بالكون والأشياء
بما في ذلك الإنسان، خاصة بعد الانبهار الكبير بنتائج الفيزياء والبيولوجيا. وقد
كان النجاح الذي حققته هذه العلوم بمثابة المشروعية العلمية في حد ذاتها، إذ سرعان
ما سوف تنتقل مناهجها إلى باقي العلوم خاصة تلك المسماة إنسانية، وفق نموذج أمثلة
علوم الإنسان، انطلاقا من محاولة إضفاء طابع التجانس على التجارب الإنسانية
وقياسها وضبطها وفق قواعد الرياضيات والمنطق؛ وفي ذلك إغفال كبير للذات التاريخية
ومكوناتها الأنثروبولوجية التي سوف ينساها الفكر العلمي الحديث جاعلا من هذه الذات
حاجزا إبيستمولوجيا –وفق فلسفة العلوم التقليدية- أمام الارتقاء بعلوم الإنسان إلى
مرتبة العلوم الحقة التي دعمت بفضل نتائجها المركزية الغريبة حول الذات وحول العقل
الغربي، الذي سلبته حريته وجعلته سجين عقلها الأداتي، والذي تضخم من خلال الالتحام
الذي حصل بين العلم والتقنية ومن خلال الآليات التي أرسهاها المجتمع الحديث فيما
يخص إنتاج السلع وتوزيعها واستهلاكها مع التأكيد على قيمة الأشياء في معزل عن
البعد الإنساني.



لقد أصبح العقل محورا تتمركز حوله كل
الإمكانات والقدرات الهادفة إلى السيطرة النهائية على الطبيعة، وذلك من خلال
تحويلها إلى موضوع مباشر للبحث والتحليل، وتجريدها من خصائصها، وتفتيتها إلى ذرات
منفصلة وإدراكها من خلال مقولات مادية بسيطة ذات بعد واحد تم إخضاعها للقياس والحساب
والتحكم والسيطرة. وقد نقلت هذه الفكرة إلى دراسة الإنسان حينما أخضعته هو الآخر
لمقولات العلوم الطبيعية وقوانينها. وعبر التجربة والممارسة تحول العالم-الطبيعة
والإنسان- إلى مادة استعمالية خاضعة للعقل بوصفه أداة تمارس فيه تجاربها
واستنتاجاتها دون مراعاة علاقة الإنسان الحميمية بالطبيعة، ودون الاهتمام بالعمق
الإنساني للإنسان بمعنى أن العقل آل إلى وسيلة مستقلة لها أهدافها وغاياتها
الإجرائية في البحث[14].



1 – مدرسة فرانكفورت ومحاولة تقويم مسار
العلم بالغرب:



ولقد استخلص العديد من المفكرين السمات
الأساسية للعقل الأداتي وكذا خطورة إستراتيجيته على الحياة الإنسانية في بعدها
الثقافي-الأنثروبولوجي وخاصة رواد مدرسة فرانكفورت، هابرماس ومن قبله هوركهايمر
وأدورنو وماركوز، وقد بينوا في العديد من الكتابات خلفيات، وكذا تداعيات، الاختزال
الذي يمارسه العقل الأداتي أو التكنولوجي في حق الطبيعة والإنسان، وخاصة اختزال
هذا الأخير إلى مجرد كائن ببيولوجي. والمفهوم الأساس الذي أضحى مبدأ جوهريا مميزا
لمدرسة فرانكفورت في أوج ازدهارها هو أن السيطرة على الطبيعة من خلال العلم
والتكنولوجيا تنشئ بالضرورة شكلا جديدا من التسلط على البشر، وهو ما عبر عنه
ماركوز بقوله: إأن المجتمع يولد نفسه في مجموعة تقنية متناسقة ومتنامية من الأشياء
والعلاقات التي تشتمل على الاستخدام التقني للبشر. وبكلمات أخرى، فإن الصراع من
أجل الوجود واستغلال الإنسان والطبيعة أصبحا يكتسيان صبغة علمية وعقلانية أكبر
دائما[15].



وبإزاء الممارسات التي فرضتها هيمنة
العقل الأداتي في مجال العلوم المحضة والعلوم الإنسانية، وفي العلاقات الاجتماعية،
وفي مظاهر التعبير السياسي والثقافي بصورة عامة، مما جعل الإنسان الحديث يخضع لضرب
من واحدية الرؤية للحياة، طرحت النظرية النقدية بديلها وهو العقل النقدي الذي ينظر
للإنسان، لا باعتباره جزءا من كل أكبر، يعيش داخل أشكال اجتماعية ثابتة معطاة،
مستوعبا تماما ما فيها وفي تقسيم العمل القائم، وإنما باعتباره كيانا مستقلا مبدعا
لكل ما هو له من الأشكال التاريخية والاجتماعية. وهذا العقل النقدي يدرك العالم =
الطبيعة والإنسان ليس كما تدركه العلوم الطبيعية باعتباره معطى ثابتا ووضعا قائما
وسطحا صلبا، وإنما ينظر إليه بوصفه وضعا قائما وإمكانية كامنة متحفزة، وهو لا يقنع
بإدراك الجزئيات المباشرة لأنه قادر على إدراك الحقيقة الكلية والغاية من الوجود
الإنساني لأنه قادر على التعرف إلى الإنسان ودوافعه وإمكاناته والغرض من وجوده.



قد تدخل هابرماس بإضافات قيمة إلى نظرية
فرانكفورت النقدية وأخرجها من إطار الوصف إلى اقتراح العلاج أو البديل وهو العقل
التواصلي كبديل للممارسات العلمية والممارسات الاجتماعية والعقلية السائدة بكل
تداعياتها على مجمل الحياة بالغرب، بهدف تجاوز حالة الاغتراب والتشيؤ التي يعيشها
الإنسان في محيط العلم الأداتي والتقنية لذاتها. هذه الحالة المفجعة بثقلها
الأنطولوجي والسوسيوثقافي والتي لم ينج منها حتى العلماء داخل حقول العلوم برمتها،
كانت نتيجة تغييب الإنسان من حسابات الساسة والعلماء الذين سقطوا هم كذلك ضحية
المذهب الأداتي المفرط، إن برنامج هابرماس يقوم على إقامة حوار مكثف مع نتائج
التحديث، ولكنه في طرحه لمفهوم العقل التواصلي لا يريد الامتثال للعقول التي تدعي
تقديم حلول فورية لإشكاليات مركبة في البنية الاجتماعية، الثقافية السياسية
والدينية[16].



2 – واقع العلم بالغرب وآفاق نظرية
العلم الجديدة:



في هذا الإطار جاءت الواقعية البنائية،
كنظرية علم يود من خلالها فريتس فالنر الخروج عن المعتاد وإعطاء البديل العلمي
والعملي لإنقاذ العلم في الغرب ومنحه طابعا اجتماعيا وثقافيا انطلاقا من أدلة وحجج
إبيستمولوجية وعلمية تقيم الدليل القاطع على أن صورة العلم بالغرب وآفاقه تتجه نحو
الأفول وتقود الإنسان إلى المصير المجهول. لهذا لا تتوانى الواقعية البنائية
بالتنديد بالاستعمال الأداتي للعلم أو العقل الأداتي كما رأينا عند مدرسة
فرانكفورت، وبتعريف العلم بالغرب وكذا بمشروعيته المرتبطة بفلسفة العلم التقليدية،
وبنجاح العلوم الجزئية في استقلال عن الإنسان ومرجعيته الأنثروبولوجية دون أن
يتوانى كذلك في تقويم مسار العلم المعرفي وخاصة علم النفس المعرفي وباقي التخصصات
المؤمثلة. لكن السؤال الجوهري في هذه المداخلة هو: ما هي الواقعية البنائية؟ وما
هو الجديد الذي أتت به هذه النظرية للعلم والمجتمع؟ وما هي أهدافها؟ وهل هناك من
تقاطعات فعلية بينها وبين النظرية النقدية والعقل التواصلي عند هابرماس؟



تنطلق الواقعية البنائية من ضرورة
التخلص من نظرية العلم التقليدية، لأنها كانت محاولة فاشلة وذلك من خلال كونها
تسعى إلى تأسيس المعرفة دون اقتضاء وجودها بالفعل وإلى البت فيما هي المعرفة
العلمية وما ليس بالمعرفة العلمية. وهذا منطق كارناب انطلاق من اللغة، ومن محاولة
تقديم وصف شامل للغة العلمية بصورة عامة، سواء تحقق ذلك على مستوى التركيب أو تم
بفضل مراعاة تصور محدد لمبحث الدلالة[17]،
الشيء الذي جعل بعض العلماء يتخيلون إمكانية الوصول إلى قضايا بديهية محددة
وضرورية حول المعرفة بأدوات تأملية تدعى وصف الواقع الخارجي، بينما لا يكاد يحتفظ
عملهم الروتيني اليومي بصلة تصله بوصف الواقع، بقدر ما يظل مرتبطا بجمع المعطيات
وبإرسالها عبر الحاسوب بواسطة رموز محددة وبقراءتها وبتحويلها من جديد[18]،
خاصة علوم الطبيعة، متمسكين بمطلبي الوصف والمعيارية التي تمليها مجموعة من
المناهج العلمية.



والتي لم يتساءل أحد من العلماء المشتغلين
بالميدان عن ماهيتها وعلاقتها بالإنسان، مقتصرين على الجانب البيولوجي الذي يمكن
ضبطه وقياسه علميا بلغة الرياضيات، وأن المرجعية في أول المشوار العلمي وآخره هو
العالم المعطى ونتائج هذه العلوم الجزئية في وصف هذا العالم، في حين أن الواقعية
البنائية تتخذ موقفا إبيستمولوجيا اتجاه إمكانية رسم خطاطات وقوانين عامة بخصوص
الواقع الخارجي، لأنها لا تدعى كشفه في ذاته، بل تحاول الاقتراب منه في منطقة
معينة ولا تستطيع إدراكه في كليته. وهنا يختلف فالنر جذريا مع أطروحة النظرية
النقدية في كوننا قادرين على إدراك الحقيقة الكلية والغاية من الوجود الإنساني ما
دمنا قادرين على التعرف إلى الإنسان ودوافعه وإمكاناته والغرض من وجوده، وهنا يتضح
كذلك أن مدرسة فرانكفورت لم تستطع النفاذ إلى عمق الإشكالية الإبيستمولوجية للعلم
في الغرب كما حصل مع فالنر لتظل بذلك هذه النظرية النقدية منسجمة إلى حد ما مع
نظرية العلم التقليدية. إن فالنر، ووفق أسس الواقعية البنائية وأهدافها
الإبيستمولوجية، يود صياغة نظرية للمعرفة مرتبطة بالبعد البراكسيسي على نحو لا
نهمل فيه ممارسة العمل العلمي، وعلى نحو لا يقرر فيه أن العلم يقوم بوصف العالم،
بل يسلم بأن الباحث العلمي يبني العالم، بمعنى أن الفيزيائيين عندما يتابعون
صيرورة معينة داخل غرفة غازية، لا يقومون بملاحظة أدنى وجه من وجوه الواقع
الخارجي، على العكس من ذلك، يقومون بتفكيك الواقع الخارجي على نحو يؤدي إلى ميلاد
شيء لا تتم رؤيته في الظروف العامية[19]،
وبالتالي عندما نبني نظرية المعرفة بأسلوب بنائي نتعاطى مع العالم المعطي كمجال
نحيا فيه ونتعايش معه وكمقتضى ضمني في كل معارفنا وفي كل خبراتنا التجريبية وفي كل
صيرورة بيولوجية[20]،
وبالتالي فما نبنيه من معارف ومعرفة هو الواقع وأن العلاقة بين العالم المعطى وهذا
الأخير علاقة بناء وفق تفكير ذاتي قائم على الدور أو على المعرفة الدائرية
المنفتحة على اقتضاءات متغيرة بحكم أوضاع الإنسان في الزمان والمكان، عكس العلاقة
التي تطالب بها نظرية العلم التقليدية وهي وصف العالم الخارجي، وذلك بفضل التغريب
كإجراء أساسي في الواقعية البنائية الذي يفيد ويضمن انتقالنا إلى مجال مشترك وفق
عمل شبه موسوعي خارج التخصص الضيق، انطلاقا من البحث المتداخل التخصصات الذي
يساعدنا في الدخول إلى عمق المناهج التي تشكل معيار البحث العلمي في نظرية العلم
التقليدية، وبالتالي التخلص من الاستعمال الأداتي للعلم الذي سيطر على المسعى
العلمي، دون أن يهيمن تخصص من التخصصات على غيره ويملي التعليمات حول الكيفية التي
يجب الاشتغال بها.



وهنا تتضح إستراتيجية الواقعية البنائية
في نسف الأداتية وأمثلة علوم الإنسان. ويعطينا (فريتس فالنر) أمثلة على فشل هذا
المسعى في تحقيق النتائج الإيجابية من خلال علم النفس، إذ يورد في ص124 "إن
التجريد المنهجي على وجه الخصوص –وهو صفة متميزة تنطبق على كل العلوم- يلعب في علم
النفس دورا آخر وأكثر أهمية مما يحدث في الفيزياء". وهذا ما ألح عليه
ثيوهرمان بأسلوب بليغ أثناء حديثه عن عملية تجريد الإنسان من أجل اختزاله إلى نظام
لمعالجة المعلومات وهو التجريد الذي تستعمله نظريات علم النفس المعرفي: "إن
الإنسان... أكثر بكثير ويتجاوز بذاته كل المحاولات التي يلجأ إليها نموذج النسق من
أجل العمل على تمثيله، مهما تعددت طرق بلورة هذا التمثيل تعددا ممتدا إلى ما لا
نهاية، هذا النموذج ليس مؤهلا لأخذ أشياء كثيرة بعين الاعتبار، مثل إحساسنا الحي
بذواتنا وقدراتنا على الشعور بالوعي وقدرتنا على اتخاذ القرار وعلى القيام
بالأفعال، كما لا يأخذ بعين الاعتبار مدى غنى عالمنا المعيش من زاوية ظاهرية،
علاوة على أمور بديهية يومية كثيرة لا سبيل إلى التنكر لها[21]
كما أنه من بين المخاطر التي تهدد العمليات النفسية داخل علم النفس المعرفي يوجد
خطر استغلالها أداتيا"[22].
ويضيف فريتس فالنر في ص124 ما يلي: "باختصار نستطيع أن نقول بخصوص منزلة علم
النفس المعرفي في صلب فلسفة العلوم، نعتبر أن تعويض الموضوعية التي تتخذ صورة
شيئية ببنيات ذاتية متعالية مشروع فاشل، فلا علم النفس المعرفي استطاع أن يقرب من
فهمنا بطريقة عقلانية ما نحياه باستمرار من تجارب معيشة في حياتنا اليومية ولا هو
استطاع أن يقود الموضوع المرجعي في علم النفس –وهو موضوع معرض على الدوام لخطر
التحول إلى موضوع وهمي- إلى ضفة آمنة من زاوية الحجاج. توشك البنائية المتعالية
التي يفصح عنها علم النفس المعرفي أن تقع ضحية الاختيارات الذاتية العشوائية[23]".
كما يوضح في نفس الصفحة على أن الإنسان ليس مجرد كائن طبيعي خالص، بل يمثل كائنا
ثقافيا يتمتع بالكفاية اللغوية، ويتضح ذلك جليا من خلال تعامل علم النفس التطبيقي
مع الإنسان الذي يستحيل اختزاله في الجانب البيولوجي المحض، عكس تصور علم النفس
الأكاديمي الذي يغلب عليه الطابع النظري.



إن المذهب السيكولوجي الذي يجعل من
الحالة الطبيعية موضوعا للبحث ويربط المضامين الدلالية بعشوائية السيرة الذاتية
الفردية، يعرض نفسه لمخاطر إغفال العنصر المشترك بين الناس جميعا، باعتبارهم
كائنات ثقافية[24].
وبهذا الصدد يوجه فريتس فالنر مقترحا علاجيا، يتجلى في ضرورة إحداث تغيير عميق في
بنية علم النفس وذلك بإعادة النظر في التمييز بين العلم الخالص والعلم التطبيقي
لأن هذا التمييز يستند إلى التمييز بين الإدراك والعمل.



كانت هاته مجرد أمثلة إبيستمولوجية من
داخل حقل العلوم الجزئية، وهي دليل على أن الاستعمال الأداتي للعلم يتجه بالإنسان
نحو أفوله، لذلك تؤكد الواقعية البنائية أن الوظيفة النقدية للإبستومولوجيا لن
تتحقق إلا عندما نعتمد التغريب كإجراء يسمح للعلماء بنقل أنساق القضايا وقواعد
العمل التي تقوم عليها النظرية إلى سياق مقامي غريب عن هذه النظرية. ولا شك في أن
العالم سيملك معرفة أفضل بمنهجية تخصصه الضيق، كما أنه سيفتح المجال حتما أمام
إجراء مناظرة متداخلة التخصصات[25]،
كما يدعو إلى توجيه العلماء نحو التفكير الذاتي في إطار تواصلي. وهنا ينتقل فريتس
فالنر من نقده العلمي للأداتية إلى تبني المسعى التواصلي إذ نجد في ملحق آدا بيلرت
(الصفحة 97) ما يلي: تعتبر النتائج العلمية بمثابة محصول مشترك أنتجته المجموعة
التواصلية، بمعنى أن الجانب التواصلي للعلم يحظى بوزن خاص، كما يصبح التوحيد بين
البحث والتواصل ممكنا فعلا، وفي هذا السياق تعتبر الواقعية البنائية أن العلم
مشروع اجتماعي وتوجه بالتالي انتباهنا إلى الأسس الاجتماعية للمعرفة. وفي هذا رغبة
صريحة لإدخال السياق الثقافي في دائرة العلم وضرورة أخذه بعين الاعتبار، لأن
الإنسان يبقى كائنا بيوثقافيا ولا يمكن بأي حال من الأحوال اختزاله إلى بعد واحد،
كما أكد ذلك ماركوز في كتابه الإنسان ذو البعد الواحد.



فإذا كان فريتس فالنر قد وجه انتقاداته إلى نظرية
العلم التقليدية ومن جملة انتقاداته نجده قد انتقد حلقة "فيينا". فإننا
نجد من قبل مدرسة فرانكفورت قد قامت بذلك وخاصة هوركهايمر الذي انتقد الوضعية بشكل
أشمل كفلسفة للعلم في مقاليه الهامين اللذين نشرا عام 1937 وبخاصة الوضعية
المنطقية
logical positivism
أو المذهب الإمبريقي المنطقي الذي ظهر في حلقة فيينا. وكان نقده موجها بشكل عام
إلى كافة صور النزعية العلمية المغالية، أي ضد فكرة المنهج العلمي الشامل الذي
تشترك فيه العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية على حد سواء، وهي الفكرة التي عبر
عنها أعضاء حلقة فيينا في مشروعهم "العلم الواحد"
Unified
Science
، كما كان نقده موجها بشكل
خاص ضد إدعاء هذه النزعة العلمية المغالية بأن العلم هو المعرفة والنظرية، وضد
انتقاصها من شأن الفلسفة، أي انتقاصها من شأن كل موقف نقدي اتجاه العلم.



وكما أن الفكر البناء يجمع معا مفاهيم
من مختلف فروع المعرفة وينسجها داخل النموذج الصحيح للموقف المعطى، فإن الارتباط
الإيجابي بالعلم لا يعني أن لغة العلم هي الشكل الصحيح والمحكم للمعرفة[26].
وإذا كان فالنر قد جعل من العلم التواصلي هدف الواقعي البنائية، فإن هابرماس كان
قد تكلم عن العقل التواصلي كحل بديل للنظرية النقدية ولنقده اتجاه العقل الأداتي.
يبقى السؤال دائما هو ما هو الجديد فيما يخص البديل الإبستيمي الإبيستمولوجي الذي
جاءت به الواقعية البنائية.



3 – الواقعية البنائية كنظرية متكاملة
وكبديل علمي-عملي:



إن مدرسة فرانكفورت قد انطلقت في
صياغتها للنظرية النقدية من حالة الإحباط التي كانت تعيشها شرائح اجتماعية كبيرة
ومن ضيق أفق الحريات الفردية داخل المجتمع الغربي انطلاقا من سيطرة العقل
الأداتي-التكنولوجي لصالح الطبقات السائدة، المتحكمة، دون أن ننسى أنها قد تأثرت
بشكل كبير بالماركسية كما هو معروف، إلا أنها لم تنتبه إلى ضرورة التحقق من العديد
من المفاهيم التي ظلت عامة كما أنها أهملت جانب وضع البديل المنهجي وبعدها الكبير
عن الإبيستمولوجيا كفلسفة نقدية للعلم. لذلك ظلت بالرغم من موقفها النقدي سجينة
التصور التقليدي كما رأينا سابقا: فهي لم تصغ بديلا علاجيا لحالة العلم بالغرب
انطلاقا من فحص نتائج العلوم الجزئية ومشروعية العلم المرتبطة بالعالم المعطى
وبنجاحه وبهيمنة التقنية على الحياة الإنسانية لتبقي صرخة هذه المدرسة النقدية
مجرد مفاهيم، سرعان ما ذهبت مهب الريح بوفاة روادها. وذلك عكس الواقعية البنائية
التي،بحكم كونها نظرية جديدة للعلم، قامت كما ورد سالفا لدحض الخلفية المرجعية
الغربية للعلم والتي تتجلى في فلسفة الغرب التقليدية، وذلك انطلاقا من فحص هذه
العلوم الجزئية ونقدها، وكذا ارتباطها بالمنهج كبنية فوقية تحدد المعايير التي يجب
اتباعها والتي امتدت إلى علوم الإنسان وأمثلتها وأعطت بالمقابل بديلا عمليا يتجلى
في البحث المتداخل التخصصات انطلاقا من مفهوم مركزي وهو التغريب ووفق تفكير ذاتي
تواصلي، كما يرتبط تحقيق برنامجها (=الواقعية البنائية) بإصلاح الجامعات والتعاون
بين العلماء مهما اختلفت تخصصاتهم وتحملهم للمسؤولية اتجاه المجتمع، كما تحث على
تشجيع طلبة البحث على الخلق والابتكار وذلك من خلال مبادئ مشروع "الترابط
والتناقض".



خلاصة:


انطلاقا مما سبق يتضح جليا أن الواقعية
البنائية كنظرية وضعت في خدمة العلم، تعتبر بحق نظرية متكاملة ومتراصة البناء لم
تغفل جانبا على حساب آخر، بل سعت إلى نفي كل ثنائية أو فصل حتى ولو كان منهجيا،
كما سعت إلى ربط العلم بالمحيط الثقافي والمجتمعي وركزت على أن الإنسان كائن
بيوثقافي، إلا أن الجانب الأكثر أهمية وقوة هو حرص فالنر على الصياغة الدقيقة
لمفاهيمه انطلاقا من تموقعه "اإبيستمولوجي" داخل حقل العلوم عكس النظرية
النقدية لمدرسة فرانكفورت –للأسباب التي ذكرناها سالفا. ولكن لا بد من أن نلاحظ أن
هناك بالإضافة إلى فلسفة فيتغينشتاين والعلوم المعرفية تقاطع بين الواقعية
البنائية ومدرسة فرانكفورت، لكن فريس فالنر لم يشر إلى ذلك ولو بإشارات.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
مُشاطرة هذه المقالة على: reddit

إبيستمولوجيا المسار العلمي بالغرب من العقل الأداتي إلى العقل التواصلي :: تعاليق

لا يوجد حالياً أي تعليق
 

إبيستمولوجيا المسار العلمي بالغرب من العقل الأداتي إلى العقل التواصلي

الرجوع الى أعلى الصفحة 

صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
حركة التنويريين الاحرار لشمال افريقيا :: المكتبة الشاملة-
انتقل الى: