مدونات و منتديات حرية لنا
زوارنا الكرام ..هرمنا ترحب بكم .. وتدعوكم لاستكمال الثورة الثقافية ..اضموا الينا ثورة وابداعا

مدونات و منتديات حرية لنا


 
الرئيسيةالبوابةالأحداثالمنشوراتالتسجيلدخول




عدد الزوار


شاطر | 
 

  الفوضوية والدولة والطوبائية

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
زنوبيا
ثـــــــــــــــائر نشيـط
ثـــــــــــــــائر نشيـط
avatar

الجنس : انثى
عدد المساهمات : 136
معدل التفوق : 356
السٌّمعَة : 20
تاريخ التسجيل : 28/11/2013

29042017
مُساهمة الفوضوية والدولة والطوبائية

الفوضوية والدولة والطوبائية


السيد عبد المطلب غانم كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة ‏‏ ‏1999 المحتويات تمهيد * قضايا تستحق المناقشة * خطة الكتاب * الباب الأول : نظرية حالة الفطرة 1. لماذا نظرية حالة الفطرة؟ * الفلسفة السياسية * النظرية السياسية التفسيرية * 2. حالة الفطرة * التشاركات الحمائية * التشارك الحمائي المسيطر * تفسيرات اليد غير المرئية * هل التشارك الحمائي المسيطر دولة * 3. القيود الخلقية والدولة * دولة الحد الأدنى ودولة فوق الأدنى * القيود الخلقية والأهداف الخلقية * لماذا القيود الجانبية؟ * القيود الليبرالية * القيود والحيوان * آلة الخبرة * النظرية الخلقية وعدم التحديد * علام تتأسس القيود؟ * الفوضوي الفردي * 4. التحريم والتعويض والمخاطرة * المستقلون والجهاز الحمائي المسيطر * التحريم والتعويض * لماذا التحريم؟ * نظريات الجزاء والردع * قسمة منافع التبادل * الخوف والتحريم * لماذا لا نحرم دائما؟ * المخاطرة * مبدأ التعويض * التبادل الإنتاجي * 5. الدولة * تحريم الإملاء الخاص للعدالة * مبدأ الإنصاف * الحقوق الإجرائية * كيف يتصرف التشارك المسيطر؟ * الاحتكار بحكم الواقع * حماية الآخرين * الدولة * الباب الثاني: ما بعد دولة الحد الأدنى 6. العدالة التوزيعية: نظرية التسويغ * المبادئ التاريخية ومبادئ النتيجة النهائية * التنميط * كيف تقلب الحرية النمط؟ * حجة سـن * إعادة التوزيع وحقوق الملكية * نظرية لوك في الكسب * الشــرط * 7.العدالة التوزيعية: نظرية رولز * التعاون الاجتماعي * شروط التعاون ومبدأ الاختلاف * المركز الأصلي ومبادئ النتيجة النهائية * الكل والجزء * الأصول الطبيعية والتعسف * الحجة الموجبة * الحجة السلبية * الأصول الجمعية * 8. المساواة، الحسد، الاستغلال، الخ * المساواة * مساواة الفرصة * احترام الذات والحسد * العمل ذو المعني * الضبط للعمال * الاستغلال الماركسي * التبادل الطوعي * الصدقة ( حب البشر) * أن يكون للمرء قول فيما يؤثر فيه * الدولة غير المحايدة * كيف تعمل برامج إعادة التوزيع * 9. الديموقراطية * الاتساق والأمثلة الموازية * اشتقاق دولة أكبر من دولة الحد الأدنى * التواريخ الافتراضية * الباب الثالث: الطوبائية 10. إطار الطوبائية * النموذج * إسقاط النموذج علي عالمنا * الإطار * مخططات التصميم ومخططات الترشيح * الإطار كخلفية طوبائية مشتركة * المجتمع المحلي والأمة * المجتمعات المحلية التي تتغير * إجمالي المجتمعات المحلية * الوسائل والغايات الطوبائية * قائمة مراجع * تمهيد هذا كتاب ينفع الدارسين أكثر مما ينفع سواهم، قد لا يجد العامة فيه ما يشبع، وإن وجدت فيه أفكار جيدة ومضيئة عن الحقوق، ولكن الدارس يجد فيه ما يمكن تعلمه، وإن لم يكن أفضل ما يمكن تعلمه، إلا أنه في كل الأحوال طريقة جيدة للتفكير. في بابه الأول يتعلم الدارس كيف يعيد بناء فكر ألفه؛ كيف يعيد بناء ما عرف عن حالة الفطرة في حجج جديدة، ولقضايا قد لا تكون جديدة ولكنها وثيقة الصلة بعصره، وهذا درس لمن يتعامل مع التراث، فمن فضائل نظرة نوزيك علي معالجة لوك حالة الفطرة: 1. يبدو أنها متسقة مع التاريخ أكثر من تقدير لوك، لا تفترض اجتماعا عاما لأناس عقلانيين تهمهم مضايقات حالة الفطرة، إنما تنمو الدولة تدريجيا. 2. لا تتطلب خيالات عن رضا ضمني من جانب أعضاء الدولة الحديثة، لم نرض عن الحكومة، وإنما فقط نعيش هنا والحكومة بإرادة منفردة تحمي وتفرض ضرائب. 3. لا تستلزم التزاما خلقيا بطاعة الدولة، تستلزم نظرية لوك في الرضا الضمني أنه إذا خرقنا القانون ( مثلا بتجاوز السرعة في قيادة السيارة)، فقد اجترحنا خطأ خلقيا، تحديدا خرقنا الاتفاق الضمني أن نطيع الحكومة، وطبقا لنظرية نوزيك لا يوجد رضا، ولا واجب الطاعة ( وإن وجد واجب طبيعي أن نحترم الحقوق الطبيعية للآخرين). وفي الباب الثاني يتعلم – علي الأقل- أمرين: كيف يلملم الأفكار التي تبدو شائعة في بناء تنظيري، وكيف يقرأ نظرية أخري من منطلق تصور لديه، فيبرز اختلافها عن تصوره، ويقدر مبررات هذا الاختلاف. تقوم نظرية المسوغات لنوزيك علي فكرة أن التبادل السوقي الحر هو الوحيد الذي يحترم الأشخاص كمتساوين؛ " كغاية في ذاتهم"، فحتى إن لم ينتج السوق الحر أفضل حال كلي فمازال مبررا، وتتألف نظرية المسوغات من ثلاثة مبادئ: 1. مبدأ النقل: الممتلكات التي تكتسب علي نحو حر ( فعلا ) من آخرين اكتسبوها بطريقة عادلة، إنما اكتسبت بعدل. 2. مبد الكسب ( الاستيلاء ) المبدئي: يخول للناس الممتلكات التي كسبوها بداية بطريقة عادلة ( طبقا لشرط لوك). 3. مبدأ التصحيح ( التقويم): قوم خرق 1 أو 2 برد الممتلكات إلي أصحابها الحقيقيين، أو بإعادة التوزيع " مرة واحدة" طبقا لمبدأ الاختلاف. قدم نوزيك مضاهاة بين نظريته في التخويل والعملية التي توصل بها رولز إلي نظرية مبادئ العدالة، حدد رولز موقفا مبدئيا، وعملية تأمل ( تدبر)، وقال أن أي قواعد، مهما كانت، تنجم من هذا فهي مبادئ العدالة، وبالمثل حدد نوزيك عملية، وقال أن التوزيع الناجم منها، أيا كان، توزيع عادل، " حددت كل نظرية نقاط بدء وعمليات تحويل، وقبلت كل منها الناتج أيا كان" ( 207)، لكن عملية رولز في توليد المبادئ لا يمكن أن تولد مبادئ للعملية، وإنما مبادئ نتيجة نهائية، اعتقد نوزيك أن هذا حتمي، وأنه يمثل ورطة: إذا كانت العمليات " بالغة العظمة" فالعيب أن العملية لا يمكن أن تولد مبادئ عدالة تخص العملية، وإذا لم تكن العمليات بالغة العظمة، فلماذا يجب أن نقبل ناتج عملية رولز؟ ( هذه حجة ضعيفة، يمكن رولز أن يدعي أن عمليته " عظيمة " دون توطيد أن كل العمليات عادلة لمجرد أنها عمليات). وفي الباب الثالث يتعلم الدارس مسألتين: الأولي كيف يحول المرء النظام السياسي لمجتمعه إلي طوبائية، فقد قدم نوزيك الفيدرالية الأمريكية ونظام الحكم المحلي في المجتمع الأمريكي كإطار للطوبائية، والثانية كيف يستعمل المرء مخطط الفلترة في بناء تصور ما. قضايا تستحق المناقشة: يرتبط بهذا الكتاب العديد من القضايا المهمة بالنسبة إلي المفكرين والمجتمع علي السواء، وقد يمكّن الكتابُ القارئ من تكوين وجهة نظر فيها أو تفنيد وجهة نظر مطروحة، علي أية حال، سأطرح هذه القضايا من منظور المجتمع الذي ظهر فيه الكتاب، وبأدبيات ذلك المجتمع؛ الولايات المتحدة الأمريكية، وإن كان هذا لا يعني أنها في مجملها ليست قضايا ذات أهمية حيوية بالنسبة إلي المجتمع المصري وسياسات حكومته. الملكية والحياة الخلقية : قرر هايك " الملكية الخاصة هي الضمانة الأكثر أهمية للحرية"، وهو قول يصدق علي مستويات عديدة، يقينا الملكية الخاص تجعل المرء مستقلا عن نزوات الحكومة ونزوات أعضاء المجتمع، وقد حاج نوزيك برفق أن أي مخطط إعادة توزيع الأملاك لا يتوافق مع حرية الفرد في التصرف في ممتلكاته كيفما يشاء، ويحاج بالدوين لكون الملكية الخاصة أساس الحرية التي تعزز المسئولية الخلقية للفرد. لا يكون عزو الحرية إلي كائن ذا معني إلا إذا كان ذلك الكائن موجودا في بيئة محددة نوعا ما، أو بتعبير آخر تتطلب الحرية قيدا، ذلك أن مجال الحرية هو مجال الاختيار، ولا يوجد الاختيار إلا بالنسبة للكائنات التي تواجه واقعا لا يلوي نفسه ليتوافق مع كل رغبة إنسانية، فأي مجتمع يتألف من أفراد أحرار يتطلب حقلا مشتركا للعب يتفاعل فيه الأفراد، ملعب البشر هو العالم المادي، " ولكن إذا كانت المادة حقلا محايدا فلا بد أن تكون لها طبيعتها المحددة"، الوفورات الخارجية للناس والأشياء هي التي تخلق مجال الاختيار والفعل الذي يجعل المسئولية الخلقية ممكنة، ويعني تحديد البيئة الإنسانية أنه حتى في اختيارنا لا يمكن أن نتحاشى القيود، ذلك أن نطاق الاختيارات محدود ويخضع فعل الاختيار نفسه لتقييد ذاتي من القائم بالاختيار. ليست الحرية الإنسانية تحررا من الالتزام إنما حرية أن تلتزم، ويتضمن الالتزام مسئولية عن عواقب اختيار المرء، العالم المادي المحدود هو مصفوفة ممارسة الحرية الإنسانية. الطريق الأول الذي تعزز به الملكية الحرية الخلقية: تلصق مؤسسة الملكية أجزاء من العالم المادي إلي فاعلين خلقيين معينين، ومن ثم تمكن من أفعال مكانية – زمانية ذات أهمية خلقية، وهذا صحيح بثلاثة معاني: أولا، تسمح الملكية الخاصة للفرد بأن يكون مسئولا عن بقائه، فالإنسان جسد وروح، ويتطلب وجوده المادي شروطا مادية معينة لصيانته، وتضع إمكانية الملكية مسئولية البقاء علي عاتق الفرد، تسمح مؤسسة الملكية الخاصة لي ببناء بيت يؤويني، أن أزرع وأن أحصد ما يغذيني، الخ، وادعاء الدولة القول النهائي في توزيع كل الممتلكات بحيث تحقق حدا اجتماعيا أدنى مضمونا يحطم مسئولية الفرد عن الوفاء باحتياجاته، تتطلب الحرية الخلقية اختيارات وعواقب في كل وقت؛ إنما أستحق العاقبة ص نتيجة فعلي السابق س. تخلق دولة الرفاه انفصالا راديكاليا بين الاختيارات والعواقب، متي وفرت الدولة وسائل حسن حالي المادي لم أعد حرا خلقيا أن أصنع اختيارات تحدد مستقبلي، فبقطع النظر عما أفعل وما لا أفعل ستوفر الدولة وسائل إشباع حاجاتي المادية، لن يكون المجتمع صحيا إذا أخبر أعضاءه أن لا يفكروا في المستقبل لأن الدولة تخطط لهم مستقبلهم. الطريق الثاني الذي تعزز به الملكية الخاصة الحرية الخلقية هو أنها تسمح للأفراد أن يقوموا بحرية بواجباتهم نحو جيرانهم، من مسلمات النظرية الخلقية أن تؤدي الأفعال الخلقية طوعا، من الطبيعي أن يصدق شرط الحرية هذا علي الواجبات المادية التي علي المرء تجاه الآخرين؛ فللوفاء بواجب أن نساعد المحتاج لا بد أن أكون حرا في التصرف في ممتلكاتي فأعطيهم إياها [ ما بالك لو حرمت من أكون ذا ممتلكات]، لقد لاحظ نوزيك " أن الضريبة علي دخول العمل علي قدم المساواة مع العمل الإجباري"، دولة الرفاه تستعبد من يحاولون العمل لأنفسهم وتجبرهم علي إعادة توزيع ممتلكاتهم طبقا لمذهب المنفعة، بهذه الطريقة اغتصاب الملكية الخاصة يدمر فرصة المرء في ممارسة فضائل السخاء والإحسان، الحرية شرط ضروري للمسئولية الخلقية، والملكية الخاصة شرط ضروري للحرية. الطريق الثالث الذي تعزز به الملكية الخاصة الحرية الخلقية هي أنها تمد الفرد بالوسائل المادية لتنمية شخصه علي أكمل وجه، توفر الملكية نطاقا للإرادة يمكن للمرء أن يصبح من خلاله شخصا كاملا، لن يستطيع المرء عمل شيء ما لم تتوافر له أدوات الإنتاج، فماذا إذا كانت ما يعمله يتعلق بتنميته الذاتية. أخضع رولز الملكية لرغبات الأقل حظا، وجعل المواهب والقدرات الفردية أصلا مشتركا للمجتمع، يقينا الملكية الخاصة مع تفاوت القدرات يجعلان التفاوت لا مفر منه، ولكن القضاء علي الفردية [ أو إنكارها علي البعض وتلك مسألة أخري] يقع عندما لا يحترم التعبير المادي عن تلك الفردية من خلال الملكية. لا تستغرق الحريات التي تجعلها الملكية الخاصة ممكنة كل شروط الفاعل الخلقي، إلا أن تفاعلاتنا مع الملكية تشكل جزءا جوهريا من مسئوليتنا، وستفتقر حياتنا الخلقية ما لم توجد فرص الاختيار التي توفرها الملكية الخاصة، هنا لا بد أن أذكر صراحة مضاعفين للعلاقة بين الملكية الخاصة والحرية الخلقية، أولا؛ جزء ضروري من أي حرية وإن كان مؤلما هو حرية أن يفشل المرء، تتطلب الحرية الخلقية حرية أن يكون المرء فقيرا، حرية أن يكون أنانيا، حرية أن يكون مغمورا، فإذا طمست الملكية الخاصة بحيث لا يمكن لأحد أن يكون فقيرا أو أنانيا أو مغمورا، فلن يقال عن أحد أنه حر، كما أن التاريخ والندرة يقدمان لنا كل سبب لاعتقاد أن بعض الناس يمكن أن يفشل، بل سيفشل، الفشل هو تكلفة الحرية، ثانيا؛ أنواع الحرية الخلقية التي ذكرناها مرتبط بخصائص صغيرة النطاق نسبيا وملموسة، أما الملكيات المكثفة المجردة الغفل من الأسهم والسندات وما شابه فهي خيالات قانوني، أيا كانت فضائلها، تضعف العلاقة بين الإنسان والعالم المادي، وبالتالي تضعف ما تعزز الملكية من حرية خلقية ومسئولية خلقية، لقد فهم لوك الملكية علي أنها " مزج العمل" بالبيئة المادية، ولعل الندرة العالمية توفرنا لنا مبررا أن نضيف إلي شرط لوك ضرورة تماهي المرء مع ممتلكاته، " ملكيات الأشباح قد تعزز نوعا معينا من الحرية [ حرية السماسرة والمنظمين] بالمعني الليبرالي العريض، ولكنها ليست ضرورية ولا مفيدة للحرية الخلقية التي تؤمنها الملكية الحقيقية". لم يعبر أحد عن العلاقة بين الملكية والحرية الخلقية مثلما عنها دوستويفسكي في قصته " الأخوة كرامازوف"، المحقق، في القطعة الأساسية عن إلحاد إيفان كرامازوف، ذم المسيح العائد لفشله في إطعام جماهير البشرية الضعيفة بخبز الأرض الذي يتوقون إليه، إنما قاوم المسيح إغواء الشيطان إياه بالسلطة الزمانية وترك الناس أحرارا أن يختاروا: أن يقبلوا أو يرفضوا، أن يطيعوا أو يعصوا، أن يعملوا أو يتضوروا، ومن ثم تحرك المحقق وكنيسته ليشبعوا حاجة الغوغاء إلي الأمن، أنّ الناس تحت آلام التحرر والمسئولية، وبسعادة أسلموا حريتهم وملكهم للكنيسة مقابل ضمان الحاجات الأساسية جدا: " لن يعطيهم العلم خبزا طالما بقوا أحرارا، لكنهم في النهاية وضعوا حريتهم تحت أقدامنا وقالوا لنا: ‘الأفضل أن تستعبدونا، لكن أطعمونا’". جسد دوستويفسكي في شخصية المحقق الرابطة المخيفة بين مذهب الإنسانية ومذهب الشمولية في القرن العشرين، عندما يسعى وراء تخفيف المعاناة المادية كغاية عليا للإنسان، يضحي بوحشية بحرية الإنسان وبملكه وفي الغالب بحياته، علي مذبح التعاطف، إن أي احترام ذي معني للأشخاص لا بد أن يسمح لهم بالفشل بحرية وبمسئولية، وتلك هي الإمكانية التي سمح بها المسيح وذمها المحقق الكبير: " إذا احترمته بشدة، فقد تصرفت كما لو كنت توقف عن الشفقة عليه، لأنك طلبت منه الكثير". ومن ثم يثور السؤال: أليس من المفيد والطيب خلقيا أن يتملك الناس لا أن يحرموا من التملك إما لنقص قدراتهم المالية والمادية وإما لأسباب تتعلق بالكفاءة الاقتصادية؟ أمن الأنسب أن يتملك الناس أم يعملوا أجراء لدي الغير، وبالذات إذا كان الغير شركات مساهمة أو شركات أجنبية؟ الملكية الخاصة والحكومة : طبقا للمفهوم الاقتصادي للملكية: " يمكن الحديث عن امتلاك الإنسان أرضا واستعمالها كعنصر إنتاج، ولكن ما يملكه المالك حقا هو الحق في القيام ببعض الأفعال ( المادية), وهذا ما يسمي بامتياز الملك، ويشكل العوامل الحقيقية للإنتاج والمواد الحقيقية للتجارة، أما التخويل القانوني نفسه فلا يعني شيئا، فهو في أحسن الأحوال إثبات للملكية وليس للحقوق المتأصلة في الملكية. يخلط الناس بين المفهوم الاقتصادي للملكية والتخويل القانوني، غالبا ما يتلاقى التخويل والملكية، ولكن ليس هذا بضروري، أحيانا تستأجر منشآت الأعمال المعدات من أصحاب المصانع بشروط تنقل إليها حقوق الملكية ذات المعني، ويبقي التخويل للصانع، وإليك مثالان: إذا قاربت الرخصة الحياة النافعة للمعدة، أو إذا تضمنت الرخصة شراء المعدة بمبلغ معين، في كلتا الحالتين تنقل الرخصة الملكية بالمعني الاقتصادي لحقوق استعمال المعدة دون تغيير التخويل، تتطلب مبادئ المحاسبة أن يسجل المستأجر المعدة في دفاتره كأصل وتصبح الرخصة نفسها أسلوبا لتمويل المشتريات، ومع أن المصنع مازال له التخويل بالنسبة إلي المعدة فإنه لم يعد " يملكها " ولا يدونها في دفاتره. في حالات أخرى؛ تفصل " حزمة حقوق" استعمال الشيء وتباع منفصلة عن التخويل، وإليك مثالان: المالك يؤجر الأرض لفترة محددة ويستبقي الحقوق الأخرى علي الأرض، والمالك نفسه يبيع فقط حقوق التنجيم ويحتفظ بباقي الحقوق عليها، تلك العقود تشمل بعض الاستعمالات الشرعية للشيء وليس تخويله. السؤال: أتخول الحكومة حقوق ملكية الأراضي التي لم تخصص بعد للمواطنين أم تتصرف فقط في بعض الحقوق بالمعني الاقتصادي؟ وفي كل من الحالتين: أي هيئات الحكومة: التشريعية أم التنفيذية أم القضائية؟ دور الحقوق : أتسوي قضايا التلوث البيئي عن طريق المحاكم أم عن طريق موظفي الحكومة؟ استندت تشريعات البيئة إلي " الوفورات الخارجية" السلبية، أي ما يفرض علي الآخرين من نفقات، ولكنها انتهت إلي تقييد حقوق الملكية، وانتزعت من الملاك الخصائص المحورية للملك ووضعتها يد موظفي الدولة، لقد أدي ذلك في بعض البلدان إلي حركات شعبية للدفاع عن حقوق الملكية، وطالب بعض السياسة بتعويض أصحاب الأملاك عن تقليل قيمة ممتلكاتهم، والسؤال: لماذا لم يشعر الناس في بلدنا بالحاجة إلي حماية حقوق الملكية؟ تضمن القانون العام ثلاثة أعمدة: الملكية الخاصة، المسئولية القانونية عن الضرر، وقانون العقود، لقد كان القانون العام في إملاء الحقوق كفيلا بحماية البيئة، ألم يعد القانون العام قادرا علي توفير تلك الحماية؟ إن تآكل حقوقنا التقليدية، بما في ذلك حق استخدام ممتلكاتنا كما نشاء طالما لا نؤذي أحدا، خسارة جوهرية، الخرافة التينعيشها أن الحقوق تصنعها التشريعات، الحقوق لصيقة بالإنسان بغض النظر عن التشريعات، أو كما قال القانوني البريطاني الشهير: " لا تتوقف الحرية الشخصية حقا، ولا تنشأ من أي نص عام تضمنه أي وثيقة مكتوبة"، إن وظيفة الدستور أن يضع الإطار الأساسي للحكومة، وبالذات تقييد سلطات الحكومة وتوفير الضمانات ضد خرق حقوق معينة، لكن الدستور لا يمنحنا كل الحقوق التي لنا كمواطنين. يرتبط بهذا مشكلة أخرى " معركة حقوق الملكية" : مشكلة يواجهها الفقراء في الدفاع عن ممتلكاتهم الصغير إزاء القواعد التنظيمية التي تقضي بحق الحكومة في نزع الملكية لمصلحة عامة، لا يستطيعون تحمل نفقات الدفاع عن حقوقهم فيستسلمون، وقد يقومون الحكومة فتقع عليهم العقوبات التي قد تصل إلي السجن، الأثرياء فقط هم الذين يستطيعون الدفاع عن حقوقهم في الملكية ضد منظمي الحكومة الذين ينفقون من الخزانة العامة. لا يهتم موظفو الحكومة بكيف تؤذي لوائحهم وتنظيماتهم الناس، لأنهم لا يتساءلون ماذا يفعلون هم أنفسهم، ‘نما يحبرون الآخرين ما يجب أن يعملوا، لا يعاني موظفو الحكومة من أن تجعل لوائحهم ممتلكات الآخرين لا تساوي شيئا، إنهم يحصلون علي مرتباتهم ومزاياهم ومعاشاتهم. أيجب أن يخير صاحب الملك في بيعه إلي الحكومة أم ينزع الملك مع التعويض – بسعر السوق؟ أيجب أن يتحمل صاحب الملك نفقات الدفاع عن حقوق الملكية التي له إزاء الحكومة التي تنفق من الخزانة العامة؟ حق الإضراب: عاد الإضراب إلي الظهور، في الغرب، كمسألة علاقات سياسية وعمالية، يعرف الإضراب بأنه إمساك جمعي عن خدمات العمل من جانب عمال غير راضين عن حزمة الأجور والمنافع التي يقدمها صاحب العمل، إذا كان التعريف سليما فإنه يؤكد بقوة حقا خلقيا وقانونيا في الإضراب، ولكنه تعريف خاطئ، فإذا قيل أنه " الإضراب أكثر من إمساك جمعي عن خدمات العمل، إنه إضافة إلي ذلك محاولة غلق صاحب العمل بمنعه من الوصول إلي الموردين والمستهلكين والأكثر أهمية إلي العمال الراغبين في العمل" فهو حق قانوني وليس بحق خلقي. طبقا للمذهب القانوني الوضعي: التشريع يخلق الحقوق، ولا توجد حقوق طبيعية، المسألة مسألة عد أصوات، بالطريقة السليمة، وطبقا لمذهب الحقوق الطبيعية: هناك حقوق إنسانية لا يمكن لأي هيئة تشريعية أن تنتهكها، إنها متأصلة في الطبيعة الإنسانية، لا تتوقف علي نتيجة انتخاب، لا تخلقها حكومة أو تمنحها، إنها سابقة علي الحكومة، ومن ثم ليكون الحق المزعوم حقا إنسانيا شرعيا لا بد أن يكون من الممكن لكل الناس الوصول إليه وممارسته في نفس الوقت دون تعارض منطقي. فمثلا أيكون لأي شخص حق في وظيفة؟ إذا ادعي الشخص س أن له الحق في وظيفة بقطع النظر عن رغبة أي شخص آخر ص في توظيفه، فإن الحقوق المرتبطة بوظيفة س مختلفة عن الحقوق المرتبطة بوظيفة ص، س مخول الحصول علي وظيفة، وعلي ص واجب أن يوفرها له، ولأنه لا يمكن أن يحصل كل الناس علي هذا الحق وأن يمارسوه في آن واحد وبنفس الطريقة، فإنه ليس حقا إنسانيا شرعيا. الحق الوحيد المرتبط بالوظيفة الذي يمكن أن يحصل عليه كل الناس ويمارسونه بنفس الطريقة هو جعل عروض العمل متاحة للآخرين، من حق العمال عرض العمل علي أي صاحب عمل بالشروط التي يريدون، وليس لهم حق إجبار صاحب العمل علي قبول تلك العروض، وبالمثل لصاحب العمل حق عرض توظيف أي عامل بالشروط التي يريد رب العمل، وليس من حقه إجبار عامل علي قبول شروطه، باختصار العلاقة بين العامل وصاحب العمل علاقة تعاقدية مبنية علي الرضا المتبادل، وفي غياب الاتفاق التعاقدي ليس للعامل حق ملكية إزاء أي وظيفة. فماذا عن حق الإضراب؟ في غياب الاتفاق التعاقدي؛ لأي عامل الحق في إمساك خدمات العمل التي يقدمها عن صاحب العمل إذا لم يحب الأجر والمنافع التي يقدمها صاحب العمل، إذا كان لكل واحد هذا الحق فمن حق جماعة من الأفراد تفكيرها متشابه أن تمارسه معا، أي مجموعة الأفراد الذين يريدون إمساك خدماتهم، فإذا أذعن صاحب العمل لشروط العمال فبها، الأمر بينهما قوة مساومة. ومن ثم ليس من حق العمال التدخل في علاقة صاحب العمل بالموردين والمستهلكين والعمال الراغبين في العمل. يشترط لممارسة الإضراب أن لا يتضمن عنفا، وفي الإضراب الاقتصادي – من أجل مسائل كالأجور والمنافع وظروف العمل – لا يفصل العامل فمازال عملا، ولكن ليس من حقهم العودة مباشرة إلي العمل، وإنما في الأماكن التي تشغر، إذ من حق صاحب العمل أن يعين بديلا عنهم أثناء الإضراب، ومن المبادئ: ( 1 ) من حق النقابة أن تعاقب النقابي الذي يتخطى الخط أثناء الإضراب، وليس من حقها ذلك إزاء غير النقابي. ( 2 ) من حق النقابي الاستقالة أثناء الإضراب ودون أي إخطار. الحرية الفردية والبيئة : أغفلت كتابات البيئة بل عادت الحقوق الفردية والحرية الفردية، حتى عدت المصلحة الذاتية شرا لا بد من قهره، والأسواق في أحسن الأحوال توفر آلية للناس تعبر المصالح الذاتية بطرق تؤذي الأرض. وجد البعض أن قضايا البيئة تخدم أكثر من خلال المصلحة الذاتية وحقوق الملكية، وأنها أفضل من اللجوء إلي القيم البيئية والإدارة الجزئية البيروقراطية. 1."عندما يكون الرخاء في خطر يرغب الناس في مقايضة الجودة البيئية بالكسب الاقتصادي، وهذا جلي في الحملات الانتخابية. 2."الثرة تقوي كلا من الاهتمام بالبيئة والقدرة علي ممارسة هذا الاهتمام، مثال الصرف الصحي. 3.يمكن بناء السياسة البيئية علي ثلاثة مبادئ: ( 1 ) الملكية الخاصة والأسواق تصنع الثروة، ( 2 ) الإدارة الحكومة تستجيب للضغوط السياسية بطرق تقلل الجودة البيئية، ( 3 ) الدور البناء للحكومة أن توفر متابعة بيئية. حجة التجارة الدولية تعزز جودة البيئة: " أفضل طريقة إلي نشر الأسواق الحرة وخلق الثروة في الأمم الأقل نموا التجارة الحرة. التجارة الحرة ترفع مستويات الدخل العالمية واستيعاب تكنولوجيات ضبط التلوث ( مع متوسط دخل 4000- 5000 دولار في السنة تتحسن جودة الهواء) الأمم الفقيرة لديها مواصفات بيئية منخفضة وإملاء منخفض. من الأسباب التي تقدم لحجة أن حقوق الملكية الخاصة تحمي البيئة : لدي الملاك حوافز تجعلهم يستعملون الموارد استعمالا إنتاجيا والحفظ عليها ما أمكن. توفر الملكية الخاصة حافزا لرعاية المورد رعاية جيدة يفتقر إليها المجتمع في ظل الضبط الحكومي. لمالك المورد حقوق قانونية ضد أي واحد يضر بالمورد. توفر حقوق الملكية بواعث طويلة المدى لأن يعظم المالك قيمة المورد، حتى المالك الذي يتبنى نظرة قصيرة المدى. حقوق الملكية والرأسمالية : يشير مفهوم الحرية في معناه الاجتماعي إلي وضع الأفراد كمتحررين من العدوان من جانب الآخرين، هذا هو معناها في التقليد السياسي الأمريكي، وتقوم علي الاعتراف بأن لكل واحد طبيعة خلقية متساوية كفاعل يقرر بنفسه ومسئول مسئولية ذاتية بقطع النظر عن الفروق الضخمة المسموح بها في الظروف. تعني الحرية السياسية أن لا أحد كرها سيد أو خادم لأحد، بما في ذلك الحكومة، باختصار عندما يكون رضا المحكومين هو المبدأ الحاكم توجد الحرية، وعندما ينتهك تكون في خطر، تستلزم الحرية الاقتصادية التجارة الحرة في التقليد الليبرالي الكلاسيكي للاقتصاد السياسي. تتوقف حرية التجارة منطقيا علي مبدأ الحق في الملكية الخاصة، لا يتاجر المرء ما لم يملك، لقد وصف ماركس حقوق الملكية قائلا: " حق المرء في الملك هو حقه في التمتع بما يقتني والتخلص منه تحكميا، دون اعتبار للناس الآخرين، ومستقلا عن المجتمع، حق الأنانية"، لقد ركز ماركس علي أسوأ سيناريو، وهذا ما لا يجب أن يفعله المرء عندما يصف نظام مبادئ، بالطبع الحق في الملكية الخاصة يجعل التجارة الحرة ممكنة، وبالتالي يجعل المرء حرا في التصرف في ملكه بطريقة غير عقلانية، ولكنه في نفس الوقت يترك المرء حرا في أن يتصرف ويتاجر طبقا لأفضل الأحكام التي يستطيع عملها، أعطانا ماركس جزءا من القصة، فالملكية الخاصة تمكن المرء من التصرف في ممتلكاته بطريقة مسئولة أو بطريقة غير عقلانية، ومن ثم يمكن أن تعطي التجارة آثارا قيمة أو آثار عديمة القيمة، فإن كانت آثار ضارة فأول من تقع علي رأسه هو المالك، فالملكية تحض علي العقلانية وتثبط اللاعقلانية. ينصب اهتمام الاقتصاديين علي الطريقة التي تشبع بها الأسواق الحرة الاحتياجات الإنسانية، وتجاهلوا طبيعة تلك الاحتياجات، لم يهتموا بما إذا كان السوق مبررا خلقيا، بما إذا كانت المؤسسة متوافقة أساسا مع القيم الخلقية الإنسانية، يركز الاقتصاديون علي تفسير ووصف والتنبؤ بطرق عمل السوق، ويصرون علي أن علم الاقتصاد علم خلو من القيم، ومن ثم لا يقدمون إلا الكفاءة الاقتصادية مبررا، بينما هناك ملامح قيمية أو خلقية معينة للمجتمع الحر لا يذكرها الاقتصاديون، تقوم الأسواق علي مؤسسات وأفكار ذات طبيعة خلقية. تفترض حرية التجارة سلفا حقوق الملكية، بدونها لا مبرر لتوفير فرصة التجارة، فإذا كان للناس فرادي وجماعات أن يضعوا شروط التجارة فلا بد أن تكون لهم سلطة صنع القرارات المتعلقة بالملكية، وهذا متطلب خلقي مسبق للسوق الحر، وهو " وصفي " محض، يجب أن تكون الطبيعة الخلقية لحقوق الملكية واضحة تماما: إذا ملكت شيئا ما يجب أن يمسك الآخرون عن التدخل في اختياري ما أفعل به، فأنا وحدي ذو السلطة في الشروط وليس الآخرون ( من أجل هذا السرقة رذيلة)، وتلك مسألة خلقية لأنها تتضمن اعتبارات ما يجب أن يعمل الأفراد. حقوق الملكية متطلب ضروري لحرية التجارة وبالتالي للسوق الحر، " يقينا هناك عدد كبير من المجتمعات التي فيها الأوضاع التي تمثل بنية حقوق الملكية واضحة، يمكن أن نسميها بنية امتيازات الملك، في تلك المجتمعات يسمح للأفراد، في حدود معينة، باقتناء السلع والاتجار فيها، مع أن الحكومة – اللجنة المحلية، أو لجنة الاتصالات الفيدرالية، أو الملك، أو جماعة ما قوية أو شخص ما قوي- يمكن أن يتحدى قانونا تلك الامتيازات، في تلك المجتمعات لا يوجد سوق حر أصيل، إنما لديها ما يشبه الأسواق الحرة بنفس الطريقة التي تشبه بها حديقة الحيوان المعقدة الأحراش الفعلية، أو إعطاء بعض أولياء الأمور الأطفال مسئولية شخصية محدودة". لا تنفك الحرية الإنسانية عن الحرية الاقتصادية ومبدأ حق الملكية الخاصة، رأينا أن الحرية السياسية تعي عدم الاعتداء وعدم التدخل، ولاحظنا أن هذا متطلب حيوي للكرامة الإنسانية، وفرصة للتطلع إلي الامتياز ( التفوق ) الإنساني، بقي أن نقول أنه يلزم لكل فرصة حيز أو مجال، يتطلب صنع الاختيارات الخلقية أن يوجد للمرء مجال ليصنعها، بتعبير نوزيك " حيز خلقي" ( 57)، فبوضوح يخدم مبدأ الحق في الملكية الخاصة بتحويل حرية المسئولية الذاتية إلي سياسات واقعية ملموسة، وتبعا لمدى لزوم أن يركز النظام السياسي علي تأمين الفرصة للمواطنين لأن يتقفوا " الرفاه العام" – وطالما أن الخير الإنساني لا بد أن يحققه كل الأفراد بأنفسهم في مجال ملموس للاختصاص أو " حيز خلقي" – فلا بد للمجتمع الإنساني الصالح أن يؤمن لكل الأشخاص مجالات الاختصاص الخاص تلك، فإذا كان قانون الملكية لا يسترشد بمبدأ الحق في الملكية الخاصة فإنه يبتعد عن هذه الغاية، والسؤال كيف نحدد معلمات السلطة الشخصية، ونسند الحماية لمجموعة الملكية تلك؟ لا ريب في أن هذا موضوع معقد، قد لا تكفي فيه نظرية لوك نظرا لغموض " مزج العمل"، وربما كانت نظرية المنظم نقطة بدء جيدة، يعزز هذا التحليل النتيجة " يؤدي مالك الملك وظيفة تنظيمية، لا بد أن يتنبأ بالقيم المستقبلة التي سيصنعها هو والآخرون، وأن يتصرف أو لا يتصرف طبقا لذلك، إنه لا يكافأ بداءة علي عمله وإنما علي حكمه الجيد"، يتسق هذا مع ما قلناه عن أساس المسئولية الخلقية الشخصية، هذا الأساس هو اختيار الشخص أن يفكر أو لا يفكر أن يمارس قدرته العقلانية، ولأن كل الناس بداءة أحرار في استعمال عقولهم، فمصدر الجدارة الخلقية هو الحكم الجيد؛ كما قال سادوويسكاي. الحرية الاقتصادية شرط ضروري للامتياز الإنساني لكنه شرط غير كافي، إنها متطلب للكرامة الإنسانية، ولا يمكن فصلها عن الفاعلين الخلقيين الذين لا بد أن يشقوا طريقهم في الحياة في عالم يضبط أجزاءه المختلفة أناس مختلفون، ومن ثم فنظام حقوق الملكية الخاصة ضروري لبيان أي أجزاء العالم في اختصاص المرء، تحت سلطانه، يحافظ ذلك النظام علي الاستقلال الخلقي لكل واحد، وإن لم يضمن الاستقلال الاجتماعي. يتطلع أنصار الدولة من كل المشارب إلي تقويض الشرعية الخلقية للرأسمالية، ويكتفي المدافعون الاقتصاديون، تحاشيا للحجة، بالإشارة إلي أن النظام الرأسمالي ينتج ثروة أعظم مما تنتج النظم الأخرى، وتلك نتيجة يفضلها كل واحد، وما هذا الدفاع بكافي، إنهم يفترضون أن كل القيم قابلة للتنقيص إلي ثروة، ولكها قابلة للمقايضة، وما هذا بصحيح، ليست الصداقة أساسا قيمة اقتصادية، فمن يقايضها بزيادة في أجر فقد تصرف بطريقة غير خلقية، أتبرر مقايضة الخيانة بقيم اقتصادية؟ من الاتهامات التي توجه إلي الرأسمالية: الرأسمالية فوضوية تنتج الرأسمالية التبديد والتفاهات تنال الرأسمالية منا حتى الأعماق تهمل الرأسمالية الفقراء العمال في ظل الرأسمالية خاضعون للاستغلال يحظى الأثرياء في ظل الرأسمالية بحماية خاصة تدمر الرأسمالية الفنون الجميلة الرأسمالية تهدد البيئة. يمكن أن تواصل فيما يتعلق بالتفاوت في الثروة وتباين الأجور، ويمكن أن تجد دفاعا، ومع أن هذا ليس ما نريد، فإنما نقدم نماذج للدفاع. التهمة أن الرأسمالية فوضي تسفر عن عدم الاكتراث بما هو مهم حقا في الحياة الإنسانية، تبدو الحجة مقنعة، فالسوق الحر يوفر فرضا وفيرة لإنتاج واستهلاك منتجات تافهة ورذيلة، وفرصا وفيرة للإنتاج والاستهلاك الرذيل، يعزز هذا واقعة أن النظام البديل يوفر رؤية ما لترتيب أفضل؛ أي إنسانية كاملة النضج في المستقبل البعيد ( ماركس)، مجتمع تحكمه جيدا قيادة حكيمة ( أفلاطون). ليست الرأسمالية في الواقع فوضي وإنما تعكس الوضع الإنساني، لا نضمن العيش مع رفاق حكماء وفضلاء، إنما نستطيع فحسب اختيار ما نفعل إزاء وجودهم في المجاورة، يمكن أن نثق في وهم جنة مستقبلة علي الأرض، أو في سمو أشخاص معينين، وتلك خيالات، أو يمكننا أن نحاول جعل آثار حمق ورذيلة الآخرين محصورة في دومينهم هم، يمكن أن يحقق نظام حقوق الملكية الخاصة هذا أفضل من غيره. اعتراض آخر: تنتج الرأسمالية أحيانا تفاهات وتبديدا، ولكنها تنتج أيضا أشياء مفيدة، وربما أكثر مما ينتج أي نظام آخر، إنها تتبع احتياجات المستهلكين، وما يبدو تافها عند البعض قيم للغاية عند الآخرين. أما بالنسبة إلي الدعارة والبذاءة التي يمكن أن توجد في النظام الرأسمالي المحض، فليست بشيء نحتاج إلي ترشيده كشيء عظيم ( طالما أن هناك طلبا عليها وأن المستهلك هو السيد)، من الممكن أن تكافح علي المستويات الشخصية والاجتماعية والثقافية، الرأسمالية لا تحمي فقط تحرر الوضعاء بل أيضا تحرر النبلاء. الخلاصة: ليس البشر بكاملين وحملهم علي الكمال عبث، النتيجة النهائية لحماية الناس من آثار الحمق هي ملء العالم بالحمقى، إذا طلبنا من الحكومة أن تداوينا من عدم الكمال فإنما نريد أن لا يعيش المرء طبقا لتقويماته: إذا احتاج العالم إلي تحسين فأفضل طريق هو استعمال ما لدي المرء من مهارة أيا كانت، يجب أن تنتج انتقادات التفاهة أشياء ذات قيمة، ومن يخشون الوضاعة عليهم بالتعليم الخلقي لمساعدتنا. خطر المنظمات غير الحكومية وأفكار المجتمع المدين: قلت في محاضرة " لشباب المجالس المحلية والمنظمات غير الحكومية" ساخرا وواصلا بالسخرية إلي مداها: " لا أنتمي في هذا المجتمع إلا لجمعية أبناء المنوفية لدفن الموتى"، وأكدت علي عدة مسائل: أولا؛ أن المنظمات غير الحكومية لا ينبغي أن تكون منظمات للمطالبة بحقوق، أو منظمات تحقيق مثل علا، ولا منظمات تنشد ولاء أعضاء ونصرة مناصرين، ثانيا؛ ينبغي أن يقتصر دورها علي سد الفجوة في توفير الخدمات بين العرض والحاجات، بين السوق والقدرة علي التعامل مع السوق، ثالثا؛ ينبغي أن لا تكون جامع تبرعات ومساهمات، إنما مسهل توصيل خدمات، رابعا؛ يجب أن تنأى عن " نحن وهم"، عن " الحكومة والمجتمع"، عن " لا يعرفون ما يحتاجون إليه ونحن نعرفه"، عن " أنهم أميون ونحن مثقفون"، ولا أدري ما إذا كانت رسالتي قد فهمت. في حجة الإطار التي قدمها نوزيك، سيختار الناس مجتمعهم المحلي أو تشاركهم ( جمعيتهم ) من نطاق التشاركات المسموح بها، ولن يوجد اتحاد اجتماعي شامل ينتمي إليه كل مواطني دولة الحد الأدنى، والسؤال ما هو نموذج المجتمع المقترح هنا؟ نزع نوزيك إلي معالجة الإطار كسوق ( 302- 306)، واستلزم هذا فكرة هيجل عن المجتمع الخاص أو المدني، والمثير أن أن التصور خلو من مجتمع يوحد كل الأفراد المشتركين في القيم والغايات، ويتسق هذا تماما مع مقولة الاختلاف الإنساني، " بدل وجود اتحاد اجتماعي يوحد؛ سيضم الإطار – كمجتمع مدني- تجمعات أفراد، أو تشاركات منفصلة، يجاهد كل منها لتحقيق مثله الأعلى مستقلا عن، وعادة متنافسا مع، المثل العلا للآخرين" ( إطار:253)، ومع أن مثلهم العلا يكمل بعضها البعض في بعض الجوانب، فلن يتم هذا إلا في حدود ضيقة للغاية، فكل شخص أو كل مجتمع محلي سيقوّم المؤسسات المحيطة بمدى جدواها لأهدافه الفردية، هكذا ستقوم دولة الحد الأدنى، فلن يعترف المجتمع المحلي بسلطانها إلا في حدود كونها وسيلة لتحقيق مخططه. فلماذا شك كثيرون في قدرة دولة حارس الليل علي الفوز بساندة عريضة؟ يوجد في المجتمع المدني دائما صدام بين الإخلاص للتشاركات " الخاصة " والمؤسسات " العامة"، فإذا كرس الناس حياتهم لتحقيق غاياتهم الخاصة، فسيشعرون أن المنظمات السياسية العامة عبء وأنها أجهزة تدخلية أملاها " عدوانية وعمي زملائهم" وبالمثل أعضاء الإطار الذين يحبذون مخططات طوبائية متصارعة، " ليس ما يهتم الناس بحمايته هو دولة الحد الأدنى، ولا الحقوق ( بتصور لوك) وإنما هو بقاء ونمو ورخاء مجتمعهم المحلي المختار" ( إطار: 253)، وكدولة حار الليل ستقف دولة الحد الأدنى فوق " سوق التشاركات" كجهاز إكراه يملي مبادئ يمقتها معظم رعاياها ويعدونها معادية للمصالح الأساسية للمجتمعات المحلية التي يشعرون نحوها بالولاء الأولي، ومن ثم تكتسح مشكلات المذهب الليبرالي الكلاسيكي- الولاءات المقسمة، صراعات القوة المريرة، الزمر المتعادية، الخ – الإطار، لا ريب أن دولة الحد الأدنى ستترك تلك المجتمعات في سلام طالما أنها لا تستعمل القوة في تعزيز غاياتها،، ستعد كل جماعة مخططها هو المخطط العادل الوحيد، وسيؤمن كل واحد باستعمال القوة من أجل العدل، أكثر من هذا ستري المجتمعات المحلية أن دولة الحد الأدنى تفرض عليهم مثلها العلا، أيمكن القول حينئذ أن دولة الحد الأدنى أسس استقرارها علي ادعاء تحقيق الأحلام الطوبائية؟ وإذا اكتسحت الإطار صراعات الزمر"ألا ينهار آليا إلي آلاف القطع؟" خطة الكتاب: يبدأ نوزيك بصياغة قوية للحقوق الفردية؛ " للأفراد حقوق، وهناك أشياء لا شخص ولا جماعة يستطيع عملها دون أن يخرق حقوقهم"، فماذا تركت الحقوق الفردية للدولة؟ ثم يعالج الادعاء الفوضوي أن الدولة إذ تصون احتكارها استعمال القوة، وتحمي كل واحد في أرضها، لا بد أن تخرق حقوق الأفراد، ومن ثم فالدولة غير أخلاقية، ويقابل هذا الادعاء بأن الدولة قد تبزغ من الفوضى ( كما عبرت عن ذلك حالة الفطرة عند لوك)، وإن لم يقصد أحد ظهورها أو يعمل شيئا من أجلها؛ إنما تظهر علي نحو لا يخرق حقوق أحد، " نتائجنا الأساسية عن الدولة أن دولة الحد الأدنى التي تقتصر علي وظائف ضيقة: الحماية من القوة والسرقة والغش، وإملاء العقود، وهلم جرا، مبررة، وأي دولة أكثر كثافة ستخرق حقوق الأفراد، ولا تجبر علي عمل أشياء معينة، ولن تكون مبررة، وأن دولة الحد الأدنى مفعمة بالحيوية والصواب، وهناك مضاعفان تستحقان الذكر: أن الدولة لا تستعمل جهازها الإكراهي من أجل حمل بعض المواطنين علي مساعدة بعضهم بعضا، أو لتحريم أنشطة علي الأفراد لخيرهم أو لحمايتهم … إنما نستبعد الطرق الإكراهية إلي هذه الأهداف، ونبقي الطرق الطوعية …" (ix). يتابع هذا في الباب الأول، فيعرض لمسائل متنوعة؛ منها: لماذا تتضمن وجهات النظر الخلقية قيودا جانبية علي الأفعال أكثر من مجرد التوجهإلي هدف، والتعامل مع الحيوان، لم يرضي المرء بتفسير أنماط معقدة علي أنها نابعة من عمليات لم يرم إليها أحد، وأسباب تحريم أفعال لا إباحتها مع توفير تعويض لضحاياها، عدم وجود نظرية لردع الجريمة، ومسائل تحريم الأفعال الخطرة، و"مبدأ الإنصاف" لهارت، وأعمال الوقاية، كل ذلك بحثا عن شرعية الدولة وشرعية الفوضوية، وشرعية كل منهما الخلقية. " يبرر الباب الأول دولة الحد الأدنى، ويزعم الباب الثاني أنه لا يمكن تبرير دولة أكثر كثافة من هذا" (xi) ، فيأخذ في نقد الأسباب المتباينة التي تبرر دولة أكثر كثافة مثل تحقيق أو إنتاج عدالة توزيعية بين مواطنيها، وهنا ينمي نظرية المسوغات التي لا تتطلب دولة أكثر كثافة، ويستعمل جهاز هذه النظرية في نقد ودحض نظريات العدالة الأخرى، وبالذات نظرية جون رولز، ثم ينتقد النظريات الأخرى التي تدعو إلي دولة أكثر كثافة مثل: المساواة والحسد وضبط العمال والنظريات الماركسية في الاستغلال. ينتهي الباب الثاني بوصف افتراضي لكيف تظهر دولة أكثر كثافة، وصف وضع ليبديها غير جذابة، " فحتى إن كانت دولة الحد الأدنى قابلة للتبرير فإنها تبدو باهتة وغير مثيرة، لا تثير طموح المرء ولا تقدم هدفا يستحق النضال من أجله" (xii) ، لتقويم هذا لجأ نوزيك، في الباب الثالث، إلي تقاليد الفكر الاشتراكي؛ النظرية الطوبائية، ليوضح ما يمكن إنقاذه من ذلك التقليد، وتتضمن الحجة مقارنة أساليب تشكيل المجتمع المختلفة، ومخططات التصميم، ومخططات الترشيح. ليس هذا الكتاب ببحث علمي، إنما " استكشاف فلسفي" للمسائل، لكنه لا يرمي إلي " تقديم العالم في كل كامل ومتكامل وأنيق"، فما هو بالقول الأخير، ‘لا فيلسوف يقول من هنا أبدأ، وإلي هنا أنتهي، ونقطة الضعف في عملي أني جئت من هناك إلي هنا، وتحديدا هنا يوجد ما هو ظاهر للعيان من تشويهات … ارتكبتها أثناء الرحلة، ناهيك عن الأشياء التي رميتها وتجاهلتها …" (xiii) ، ويعتقد نوزيك أنه تحاشى أخطاء الفلاسفة تلك، وبالذات " لماذا نجدّ في وضع الأشياء قسرا في محيط ثابت؟ لماذا لا نضعها في محيط آخر، أو بصورة أكثر راديكالية لماذا لا نتركها حيث هي؟ ما الذي يعمله لنا وضع كل الأشياء في محيط؟ لماذا نريدها علي هذا النحو؟" (xiii).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
مُشاطرة هذه المقالة على: diggdeliciousredditstumbleuponslashdotyahoogooglelive

الفوضوية والدولة والطوبائية :: تعاليق

لا يوجد حالياً أي تعليق
 

الفوضوية والدولة والطوبائية

الرجوع الى أعلى الصفحة 

صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
مدونات و منتديات حرية لنا :: الحــــــــــــــــــداثـــة-
انتقل الى: